
لطالما شكّلت الزعامة الدرزية في لبنان نقطة ارتكاز في المشهد السياسي، حيث لعب وليد جنبلاط دورًا محوريًا في تحديد توجهات الطائفة الدرزية واصطفافاتها الإقليمية. فبعد عقود من القيادة، يواجه جنبلاط اليوم تحديات غير مسبوقة، سواء على الصعيد الداخلي مع تراجع نفوذه التقليدي، أو على المستوى الإقليمي في ظل التغيرات الجيوسياسية.
التحولات داخل الطائفة الدرزية
لم يكن انتقال الزعامة إلى نجله تيمور جنبلاط بالسلاسة المتوقعة، إذ تزامن مع صعود منافسين داخل البيت الدرزي، من بينهم وئام وهاب وطلال أرسلان، اللذان يحاولان توسيع نفوذهما مستفيدين من الدعم الخارجي. كما أن الجيل الجديد من الدروز لم يعد مقتنعًا بالولاء السياسي التقليدي، بل بات يميل إلى خيارات جديدة تعكس تطلعاته الاقتصادية والاجتماعية.
جنبلاط وسوريا: توازنات معقدة
لطالما انتهج جنبلاط سياسة براغماتية اتجاه النظام السوري، إذ تحوّل من معارض شرس خلال الحقبة الأولى من حكم بشار الأسد إلى موقف أكثر انفتاحًا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005.
إلا أن التطورات الأخيرة في سوريا، وعودة بعض القوى الإقليمية للتعامل مع الأسد، تفرض على جنبلاط إعادة تقييم علاقاته للحفاظ على دور الطائفة الدرزية داخل سوريا ولبنان.
العلاقة مع حزب الله والواقع اللبناني
ظلّت علاقة جنبلاط بحزب الله متأرجحة بين التفاهم والصدام، إذ اضطر في أكثر من مناسبة إلى التكيف مع الواقع السياسي الذي يفرضه الحزب.
ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان، يجد جنبلاط نفسه أمام خيارين: إما الاستمرار في نهج التسويات للحفاظ على مكتسباته، أو اتخاذ موقف أكثر حدة يعيد رسم خريطة التحالفات داخل البلاد.
المستقبل: خيارات محدودة وتحديات مستمرة
في ظل التحولات الإقليمية وتراجع نفوذ القوى التقليدية، يبدو أن جنبلاط بات أكثر ميلًا إلى الانكفاء الداخلي، مع ترك مساحة أكبر لنجله تيمور لصياغة مسار جديد. إلا أن نجاح تيمور في ترسيخ زعامته سيعتمد على قدرته في مواكبة المتغيرات وكسب ثقة الشباب الدرزي الذي يبحث عن بدائل سياسية واقتصادية جديدة.
ختامًا، تبقى زعامة جنبلاط أمام اختبار صعب في ظل المعادلات المتحركة، حيث يتوجب عليه الموازنة بين الإرث السياسي لعائلته وبين الواقع الجديد الذي يفرض نفسه على الطائفة الدرزية ولبنان ككل.
