
ما زالت أزمة الودائع المصرفية في لبنان من أبرز الملفات العالقة التي تحتاج إلى حل جذري لإعادة الثقة بالنظام المالي. مع انخفاض إجمالي الودائع من 174 مليار دولار في 2018 إلى 90 مليار دولار في 2024، تبرز تساؤلات حول الوسائل المتاحة لتحرير الودائع المحتجزة منذ أكثر من خمس سنوات، والفئات التي ستحظى بأولوية الإفراج عنها.
الأولوية لصغار المودعين
أكد وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن شطب أموال المودعين ليس خيارًا مطروحًا، لكن إعادة الودائع لن تتم بشكل فوري. الأولوية ستكون لصغار المودعين عبر وضع مبلغ “فريش” دولار في حساباتهم لاستخدامه في تلبية احتياجاتهم المعيشية، فيما سيتم إيجاد حلول تدريجية لبقية المودعين عبر صندوق استرداد الودائع.
وفقًا لمعهد التمويل الدولي، هناك مقترحات لتسوية الودائع خلال أقل من ثماني سنوات، مع التركيز على الحسابات التي تقل عن 500 ألف دولار، والتي تشكل 97% من إجمالي الحسابات وتُمثل حوالي 60% من قيمة الودائع..
خيارات مقترحة لحل الأزمة
رهن جزء من احتياطي الذهب
يُقدَّر احتياطي الذهب في لبنان بحوالي 27 مليار دولار، ويقترح البعض رهن نصف الزيادة في قيمته منذ 2019، أي نحو 12.8 مليار دولار، عبر البنوك الاستثمارية العالمية. هذا قد يتيح سيولة فورية لصغار المودعين، لكنه يحمل مخاطر كبيرة نظرًا لتقلب أسعار الذهب.
تحويل الدين إلى شهادات مالية
يتوقع معهد التمويل الدولي أن تصل احتياطيات النقد الأجنبي إلى 26 مليار دولار بحلول 2029، مما يقلل الفجوة بين أصول والتزامات مصرف لبنان. يمكن تحويل جزء من هذه الالتزامات إلى دين حكومي رسمي على شكل شهادات إعادة هيكلة، مما يمنح البنوك مطالبات على الحكومة بدلاً من المصرف المركزي. لكن هذا الحل قد يزيد من حجم الديون العامة..
استخدام الودائع بالليرة اللبنانية
في إطار اتفاق مع صندوق النقد الدولي، يمكن السماح للمودعين باستعادة جزء من ودائعهم بالدولار على شكل ليرات لبنانية. نجاح هذا الخيار يعتمد على استقرار سعر الصرف، وهو أمر غير مضمون بسبب تاريخ الليرة اللبنانية في التقلبات.
إنشاء صندوق استرداد الودائع
يمكن تخصيص صندوق لاسترداد الودائع الكبيرة التي تتجاوز 500 ألف دولار، بحيث يتم تمويله عبر شهادات الإيداع لدى مصرف لبنان. إن اعتماد هذا الحل قد يساهم في إعادة الهيكلة بشكل منظم، لكنه يثير جدلاً حول استخدام الأموال العامة لحل أزمة الديون الخاصة.
خصخصة بعض القطاعات الحكومية
يمكن للدولة منح امتيازات لإدارة مؤسساتها مثل قطاع الكهرباء والاتصالات، مما يعزز الاستثمارات ويعيد الثقة في الاقتصاد. لكن عوائد هذه الخطوة ستأخذ سنوات حتى تظهر، ما يجعلها حلاً طويل الأجل وليس فوريًا.
صندوق النفط والغاز
اقتُرِح تخصيص جزء من عائدات النفط والغاز المحتملة للمودعين، إلا أن هذه العائدات قد لا تتحقق قبل عام 2032، مما يجعلها غير كافية لحل الأزمة الراهنة.
أي الحلول الأقرب للتطبيق؟
رغم تعدد المقترحات، إلا أن كل خيار يحمل إيجابيات وسلبيات. الأولوية يجب أن تكون لحلول عملية تعيد أموال المودعين بشكل تدريجي، دون تحميل الاقتصاد مزيدًا من الأعباء. التوازن بين الحلول قصيرة الأمد وإعادة بناء الاستقرار المالي على المدى الطويل هو التحدي الأكبر.
وأخيراً، إن إعادة أموال المودعين حق مشروع، لكن الحلول تحتاج إلى تنفيذ مدروس يعيد الثقة بالنظام المالي. القرارات الجريئة والإصلاحات الهيكلية ستكون المفتاح لإنقاذ الاقتصاد اللبناني وإخراجه من هذه الأزمة العميقة.
المصدر: نداء الوطن، رنى سعرتي
