50 عاماً على اندلاع الحرب اللبنانية: من التوترات الطائفية والإنقسامات السياسية إلى تداعيات ما زالت ترسم الواقع اللبناني لليوم

بقلم: ندى جوني

مرّ خمسون عاماً على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. الحرب التي لم تكن مفاجأة، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التراكمات المسكوت عنها. في ستينيات القرن الماضي، جرى تقديم لبنان كواحة رخاء وانفتاح وسط محيط مضطرب. بلد المسارح والمهرجانات الغنائية، والمصارف ذات السرية المُطلقة، والجامعات اللامعة. لكن خلف هذه الصورة الملمّعة، كانت الحقيقة أكثر تعقيداً. لم يكن لبنان بلداً موحّداً، بل كان عبارة عن طبقات متناحرة تعيش فوق هشيم سياسي واجتماعي، بانتظار شرارة واحدة.

لقد روج كلّ من الإعلام المحلي والأغنية اللبنانية لفكرة “سويسرا الشرق”، حيث بدت بيروت في الصور مدينة مترفة، تسبح في الحداثة، وتحتضن النخب المثقفة. لكن هذه المدينة كانت منقسمة في جوهرها: أحياء تسكنها الطبقة الأرستقراطية تتجاور مع أزقة مكتظة بالفقر، ومدارس وجامعات خاصة للنخبة تقابلها مؤسسات رسمية متدهورة، ومصارف تكدّس الثروات بيد قلة، فيما تعيش الغالبية على هامش الدولة.

كان لبنان آنذاك يبدو مستقراً من الخارج، لكنه كان يحمل في داخله بذور انفجاره. نظام طائفي قائم على الزبائنية، مجتمع قائم على التفاوت الطبقي المريع، وسلطة تتقاسم النفوذ بدل أن تحكم. كانت الحرب، بكل فصولها، قد كُتبت سلفاً، تنتظر فقط لحظة الانفجار.

ومع تاريخ 13 نيسان 1975، دخلت بيروت في طور التحوّل الكارثي. فالمدينة التي كانت تصدّر الحلم، باتت تنتج الرعب. الشوارع نفسها التي صدحت فيها الأغاني، أُغلقت بالمتاريس الترابية. الوجوه التي التقت في المقاهي، افترق أصحابها على الحواجز الطائفية. رائحة البارود غطّت عبق القهوة، وصوت القذائف كتم صوت المسرح، والمدينة التي تغنّت بالإنفتاح، تقوقعت في أحيائها، وأصبح الخوف هو اللغة الوحيدة المشتركة.

إذاُ، كيف لشعب ادّعى الإنفتاح وتغنّى بالثقافة والفكر، أن يخفي في عمقه كل هذه الوحشية والعنف؟ فهل كانت مظاهر الحداثة أشبه بقناع هشّ يخفي بنية ممزقة؟ وهل كانت الحرب انفجارًا عابرًا، أم أنها الوجه الحقيقي للبنان المغيَّب؟
وهنا تبدأ ضرورة إعادة قراءة تاريخ هذه الحرب، لا كحدث مأساوي فقط، بل كمفتاح لفهم البنية العميقة للبنان: مَن امتلك الدولة؟ ومَن حُرم منها؟ ومن كتب الرواية ومن شُطِب من متنها؟

لبنان قبل الحرب: انقسامات طائفية، فوارق طبقية، وتدخلات إقليمية!

التركيبة الطائفية

قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان لبنان يحكمه نظام طائفي رُسّخ رسميًا بموجب “الميثاق الوطني” عام 1943، وهو اتفاق غير مكتوب بين الزعماء الموارنة والمسلمين، نصّ على تقاسم السلطة بين الطوائف الرئيسية في البلاد. وبموجب هذا الاتفاق، مُنح منصب رئاسة الجمهورية لمسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة لمسلم سنّي، ورئاسة مجلس النواب لمسلم شيعي.

ومع مرور الوقت، بدأت التوازنات الديموغرافية والسياسية تتغير، لا سيما مع تزايد حجم الطائفة الشيعية وتنامي دورها السياسي والاجتماعي، خاصة خلال عقد السبعينيات، نتيجة عوامل متعددة منها الهجرة الداخلية، وظهور حركة المحرومين ثم لاحقًا حركة أمل. في المقابل، استمر الموارنة في احتكار القسم الأكبر من السلطة، بدعم إقليمي وغربي، مما عمّق الشعور بعدم المساواة والغبن لدى الطوائف الأخرى.

هذا النظام الطائفي، الذي بُني على أسس هشّة وغير عادلة، شكّل أرضية خصبة للتوترات والصراعات الداخلية، حيث تحولت المنافسة بين الطوائف إلى صراع مفتوح على النفوذ والسلطة، مهّد بدوره لانفجار الحرب الأهلية.

الفوارق الطبقية

في الفترة الذهبية، أي خلال ستينات القرن الماضي، اعتبر لبنان من أهم المراكز الاقتصادية في الشرق الأوسط. كما كان يُروج لبيروت كمدينة مترفة تحاكي عواصم العالم الكبرى. لكن في الحقيقة، كانت هناك فوارق طبقية ضخمة بين الأغنياء والفقراء. فالطبقات الثرية والمتمكنة كانت تهيمن على الحياة الاقتصادية والسياسية، بينما كانت الفئات الفقيرة تعيش في مناطق شعبية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

لقد أدّى هذا التفاوت الطبقي إلى تراكم الاستياء في أوساط الطبقات الفقيرة، التي بدأت تشعر بالتهميش والإقصاء، بينما كانت الطبقات الثرية تحظى بكل الامتيازات. هذا التفاوت، إلى جانب تفشي الفساد في النظام السياسي، كان من العوامل التي ساهمت في زيادة الاستقطاب الاجتماعي والطبقي، مما أوجد بيئة خصبة لنشوء التوترات.

الوجود الفلسطيني المسلح

منذ الستينات، بدأ لبنان يستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين بعد الهزيمة العربية في حرب 1967، حيث كان الفلسطينيون في البداية يطمحون للعودة إلى أراضيهم. لكن سرعان ما تحوّل وجودهم إلى واقع معقد، حيث تمركزت منظمات فلسطينية مسلحة في لبنان، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، التي قامت بتأسيس قواعد عسكرية في لبنان للقيام بالعمليات ضد إسرائيل.

هذه المنظمات الفلسطينية المسلحة لعبت دورًا مهمًا في تصعيد الصراع في لبنان، إذ كان وجودهم يُعتبر من قبل بعض الفئات اللبنانية كتهديد للأمن الوطني، في حين أن آخرين اعتبروا دعم الفلسطينيين جزءًا من القضية العربية الكبرى. إذاً، إن هذا الانقسام في المواقف اتجاه الفلسطينيين كان من العوامل الرئيسية التي غذّت الانقسامات الداخلية في لبنان، وجعلته مسرحاً لصراعات متعددة.

التدخلات الإقليمية

في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان لبنان يشهد تجاذبات إقليمية ودولية متصاعدة، ساهمت في توتير الوضع الداخلي وتأجيج الانقسامات. بعد هزيمة 1967، تحوّلت الساحة اللبنانية إلى ملاذ رئيسي للفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، التي تلقت دعماً مباشراً من عدد من الدول العربية، خصوصاً الأنظمة التقدمية مثل العراق والجزائر وليبيا. وقد ساهم هذا الدعم في تعزيز حضور هذه الفصائل داخل المخيمات الفلسطينية وفي المناطق ذات الغالبية المسلمة، ما دفع القوى اليمينية اللبنانية إلى الشعور بالخطر.

في المقابل، بدأت الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تنظر بقلق إلى تنامي نفوذ الحركة الفلسطينية داخل لبنان، لا سيما مع الخطاب الثوري الذي حملته، ومع ارتباطها الوثيق بمحور الرفض في العالم العربي. وقد حظيت بعض القوى اليمينية اللبنانية، وخاصة الكتائب وحلفاؤها، بدعم غير مباشر من قِبل هذه القوى الغربية، إضافة إلى الدعم العسكري واللوجستي من إسرائيل، التي كانت ترى في الوجود الفلسطيني المسلح تهديداً لأمنها القومي.

لبنان 1975: من شرارة عين الرمانة إلى انفجار الحرب الطائفية والإنهيار الشامل

شرارة البداية: حادثة عين الرمانة (13 نيسان 1975)

في 13 نيسان 1975، كانت الحافلة التي تقل فلسطينيين في منطقة عين الرمانة، معقل الموارنة في بيروت، هدفاً لإطلاق نار من مسلحين مسيحيين. هذا الحادث، الذي بدا عارضاً في ظاهره يمكن احتوائه، سرعان ما تحول إلى سبب لإشعال فتيل الحرب الأهلية اللبنانية. كانت تلك الحادثة بمثابة نقطة تحول كبرى. بعبارة أخرى، تحوّلت الاشتباكات الأولى إلى قتال متصاعد بين معسكرين أساسيين: اليمين المسيحي المدعوم من قوى الغرب، واليسار اللبناني الذي كان يتبنى الأيديولوجيات الإشتراكية ويدعم الفلسطينيين.

حرب الشوارع: قتال عشوائي ودموي (1975-1976)

أثناء الأشهر الأولى من الحرب، تطور الصراع بشكل سريع إلى حرب شوارع عنيفة في مدينة بيروت، وتحديداً في منطقة الأسواق التجارية. كانت ميليشيات اليمين المسيحي، مثل الكتائب وحزب القوات اللبنانية، تهاجم المناطق التي تسيطر عليها الفصائل الفلسطينية واليسارية، وكان القتال يتم على الأرض بين الأحياء وبين الناس في شوارع المدن.  فقد حدثت معارك دامية أسفرت عن مقتل العديد من المدنيين الذين أصبحوا ضحايا لهذا العنف العشوائي، بينما كانت بيروت تُحاصَر من مختلف الاتجاهات. لم يكن هناك خطوط جبهة واضحة، بل كان القتال ينتشر في كل زاوية من المدينة، مما جعل الحياة اليومية في العاصمة أقرب إلى الجحيم.

التدخلات الإقليمية والدولية: صراع خارجي يدخل المعركة (1976-1982)

مع استمرار الحرب، لم يعد النزاع في لبنان محصوراً  باللبنانيين أنفسهم، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية، حيث تداخلت مصالح الخارج مع خريطة الانقسام الداخلي. في عام 1976، دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية بقرار من حافظ الأسد، تحت ذريعة “حفظ الأمن والاستقرار”، لكن التدخل الفعلي كان يحمل أهدافًا أبعد: فرض النفوذ السوري على القرار اللبناني، ومنع سقوط السلطة المركزية في يد تحالف اليسار والفلسطينيين. هذا التدخل مهّد لوجود سوري طويل الأمد، امتد حتى عام 2005، وظلّ أحد أكثر الملفات إثارة للجدل والانقسام.

ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي في يونيو 1982، حين أطلقت تل أبيب عملية “سلامة الجليل”، بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من الجنوب اللبناني قاعدة عسكرية لها. تقدّمت القوات الإسرائيلية حتى العاصمة بيروت، وهو ما مثّل لحظة مفصلية في الحرب، إذ تحوّلت العاصمة إلى ساحة قتال عنيف، وانكشفت هشاشة السيادة اللبنانية بشكل كامل.

في خضم هذه الأحداث، تم انتخاب بشير الجميل، قائد “القوات اللبنانية”، رئيسًا للجمهورية بدعم أميركي وإسرائيلي. لكن وبعد 21 يومًا فقط، قُتل في انفجار ضخم استهدف مقر الكتائب في الأشرفية في 14 أيلول 1982، ما فجّر حالة من الفوضى والغضب في صفوف حلفائه.

بعد يومين فقط على اغتياله، وقعت واحدة من أبشع مجازر الحرب: مجزرة صبرا وشاتيلا.  حيث اقتحمت ميليشيات لبنانية موالية للجميل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت الغربية، تحت أنظار الجيش الإسرائيلي، ونفذت عمليات قتل ممنهجة بحق المدنيين، استمرت لأكثر من يومين. راح ضحيتها الآلاف، من النساء والأطفال والرجال العزل، في جريمة هزّت ضمير العالم، لكنها لم تؤدِ إلى محاسبة أحد، لا محلياً ولا دولياً

بهذا، أصبح واضحًا أن الحرب اللبنانية لم تكن حربًا أهلية فقط، بل ساحة صراع متعددة الأطراف، تتقاطع فيها الحسابات الطائفية مع الأجندات الإقليمية والدولية، وتُدار فيها الحروب الصغيرة بالنيابة عن حروب أكبر.

التحول إلى حرب طائفية شاملة: الإنقسام بين اللبنانيين (1983-1989)

مع مرور الوقت، تطوّر النزاع اللبناني من صراع سياسي بين اليمين المسيحي واليسار المدعوم من الفصائل الفلسطينية والدول العربية إلى حرب طائفية شاملة، تُخاض بين الطوائف اللبنانية نفسها، وتتحكم بها الميليشيات المسلحة أكثر من الدولة نفسها. فعلى أنقاض مؤسسات منهارة، تشكلت “الجبهات” الطائفية، وراحت المعارك تأخذ طابعًا دينياً ومذهبياً صرفًا، بينما تلاشت تدريجياً أبعاد الصراع الإيديولوجي التي كانت بارزة في المراحل الأولى للحرب.

بدأ التحول الكبير بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وما تلاه من انسحاب للقوات الإسرائيلية من مناطق الشوف وعالية، تاركةً فراغًا أمنيًا ملأته المواجهات بين الميليشيات المحلية. وهنا اندلعت “حرب الجبل” عام 1983 بين ميليشيا القوات اللبنانية ذات الغالبية المسيحية والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، ذات الغالبية الدرزية. لقد كانت هذه المعركة من أكثر المراحل دموية في الحرب الأهلية. إذ أدت إلى تهجير جماعي للمسيحيين من مناطق الجبل، وأسست لصيغة جديدة من الصراع القائم على الهوية الطائفية.

عام 1984، انفجرت “انتفاضة 6 شباط” في بيروت الغربية، حيث اشتبكت حركة أمل الشيعية مع وحدات من الجيش اللبناني الموالي للرئيس أمين الجميل. انتهت المواجهة بانهيار الجيش في تلك المنطقة، وسيطرة كاملة لحركة أمل، لتُكرَّس بذلك سيطرة الميليشيات على العاصمة المقسّمة، مرسّخة نفوذ جديد للطائفة الشيعية كلاعب رئيسي مستقل في المعادلة اللبنانية.

بين عامي 1985 و1988، شهدت البلاد واحدة من أبشع فصول الحرب في ما عُرف بـ”حرب المخيمات”، وهي معارك ضارية دارت بين حركة أمل والفصائل الفلسطينية، وخصوصاً حركة فتح، داخل مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة. فرضت حركة أمل حصارًا خانقًا على هذه المخيمات، وتسببت الحرب بآلاف القتلى، ومآسٍ إنسانية كبيرة، وسط صمت دولي وتواطؤ داخلي.

وفي الوقت الذي كانت فيه الطوائف تتناحر، اندلع صراع داخلي حاد داخل الطائفة الشيعية نفسها، بين حزب الله المدعوم من إيران، وحركة أمل المدعومة من سوريا. هذا الاقتتال امتد من الضاحية الجنوبية إلى الجنوب اللبناني، وتسبب بعدد كبير من الضحايا، قبل أن تفرض إيران وسوريا تهدئة هشة بين الطرفين، كانت نتيجتها تعزيز نفوذ حزب الله في الساحة الشيعية.

وفي نهاية الثمانينيات، لم يَعُد الانقسام يقتصر على الطوائف المختلفة، بل دخلت الطوائف نفسها في صراعات داخلية دامية. فاندلعت حربٌ طاحنة بين العماد ميشال عون، قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية حينها، وسمير جعجع، قائد القوات اللبنانية، في ما عُرف لاحقًا بـ”حرب الإلغاء”. جاءت هذه الحرب بعد إعلان عون “حرب التحرير” ضد الوجود السوري في لبنان عام 1989، ورافقتها مواجهات عنيفة بين الجيش والقوات اللبنانية في المناطق المسيحية، ما كشف عمق الانقسام داخل الموارنة أنفسهم.

خلال هذه السنوات، فقد لبنان ما تبقى من تماسكه الاجتماعي والسياسي، وتحوّل إلى ساحة حربٍ مفتوحة بين جماعات لا يجمعها شيء سوى السلاح. لم تعد هناك جهة قادرة على فرض الأمن أو تقديم حلول. وفي ظل كل هذا الدمار والدم، بدا أن لا أفق لأي حل، إلى أن بدأ المسار نحو اتفاق الطائف عام 1989، الذي شكّل الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب، وإن لم يُنهِ أسبابها البنيوية حتى اليوم.

نهاية الحرب: اتفاق الطائف وإعادة تشكيل لبنان (1989-1990)

عام 1989، مع تفاقم  حدّة الوضع العسكري والسياسي في لبنان، تم التوصل إلى اتفاق الطائف في السعودية، الذي أعاد ترتيب التوازنات السياسية في لبنان بين الطوائف المختلفة. هذا الاتفاق أنهى الحرب الأهلية رسمياً ووضع أسسًا جديدة لتقاسم السلطة بين المكونات الطائفية المختلفة في لبنان.

سلام بلا عدالة: نهاية الحرب وبداية أخرى!!!

عند توقيع اتفاق الطائف عام 1989، بدا للبعض أن الحرب الأهلية اللبنانية قد وصلت إلى نهايتها، وأن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الإستقرار السياسي. لكن الحقيقة كانت أشد مرارة. فالاتفاق، الذي أنهى القتال المسلح رسمياً، لم يفتح أي صفحة للمحاسبة أو العدالة الإنتقالية، بل شكّل غطاءاً سياسياً لنظام ما بعد الحرب، حيث أُعيد إنتاج السلطة الطائفية نفسها، واعتُمدت تسوية تقوم على نسيان الماضي والهروب منه، لا مواجهته.

فزعماء الحرب، الذين قادوا الميليشيات وارتكبوا المجازر، أصبحوا وزراء ونواباً ورؤساء أحزاب وممثلي طوائف. رُسِّخ حضورهم في بنية الدولة لا كمجرمين، بل كـ”أبطال” الطوائف، بينما فُرض على الضحايا الصمت والنسيان باسم “الوحدة الوطنية”. لم تُفتح أي ملفات، لم يبك لبنان قتلاه، ولم يُسأل أحد عن مئات المقابر الجماعية، والمفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر عودتهم أو حتى مجرد أثرٍ لهم.

وهكذا انتهت الحرب شكلياً، لكن آثارها ظلت حيّة في كل زاوية من الذاكرة اللبنانية: في نظام المحاصصة الطائفية، في الانقسام الاجتماعي، في فقدان الثقة بين المكوّنات الأساسية، وفي استمرار حضور السلاح خارج إطار الدولة. الحرب تغيّرت فقط في أدواتها: من المدافع إلى الخطابات، من خطوط التماس إلى الخطوط الحمراء السياسية، من الخنادق إلى الإعلام، والشارع، والمصرف، وصولاً إلى الإنهيار الإقتصادي الحادّ.

لم تُبْنَ الدولة بل أُعيد ترتيب الفوضى، وتحولت “الديمقراطية التوافقية” إلى واجهة براقة لنظام مبني على الزبائنية والمحسوبيات. ومع كل أزمة اقتصادية أو سياسية، كانت جراح الحرب تعود للنزيف. كأن الطائف لم يُنهِ الحرب، بل فقط علّقها على جدار الزمن، بانتظار شرارة جديدة.

واليوم، بعد مرور نصف قرن على اندلاع تلك الحرب، وفي ظل التغيرات الإقليمية والتحولات الدولية، هل سيُدرك الشعب اللبناني أخيراً حجم الكارثة التي حلت به؟ وهل يستطيع بعد كل هذا الزمن أن يفتح جراحه ليعالجها لا ليخفيها، ويبدأ فعلاً مسار الإصلاح نحو إنتاج دولة مؤسسات قادرة على استيعاب الطوائف جميعها في المستوى نفسه؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top