“اللجنة الأمنية” تحكم الضاحية

تحوّلت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نموذج حيّ لواقع الدولة الموازية، حيث يُحكم القبضة الأمنية والقضائية من خارج المؤسسات الرسمية عبر ما يُعرف بـ”اللجنة الأمنية” التابعة لـ”حزب الله”. هذه اللجنة، التي كانت تُقدَّم سابقاً كمنسّق أمني مع الدولة، باتت تُمارس دور “الوصي”، وتتحكم بسير الملفات الأمنية والقضائية، وتمنح أو تمنع تنفيذ المذكرات الرسمية، في مشهد يطرح تحدياً صريحاً لمبدأ سيادة الدولة واحتكارها الشرعي للقوة.

سلطة خارج الإطار الدستوري

واقع الحال يُظهر أن “اللجنة الأمنية” لا تعمل كمجرد حلقة وصل، بل باتت تُشكّل سلطة تنفيذية تُعيد توزيع الأدوار بين الدولة و”الحزب”، بحيث يُعلَّق تنفيذ أي إجراء أمني أو قضائي داخل الضاحية على موافقة الحزب، ما يُفرغ القانون من مضمونه ويُحوّل الدولة إلى متفرّج يطلب الإذن للتنفيذ.

وفي هذا السياق:

  • تتراجع صلاحيات الأجهزة الأمنية الرسمية أمام اشتراط “الإذن المسبق”، ما يُقوّض دور الجيش والقوى الأمنية في مناطق لبنانية تُعدّ فعلياً “خارج السيطرة”.
  • تتحول مذكرة التوقيف أو المداهمة إلى مجرّد ورقة بانتظار “ختم” اللجنة، وهو ما ينسف مبدأ المساواة أمام القانون.

من مقاومة الخارج إلى التحكم بالداخل

تحت شعار “مواجهة العدو الإسرائيلي”، احتفظ “حزب الله” بسلاحه خارج إطار الدولة. إلا أن مفاعيل هذا السلاح لم تعد تقتصر على الحدود، بل بدأت تؤثر مباشرة على حياة اللبنانيين في الداخل، من خلال فرض نمط أمني موازٍ يحدّ من قدرة الدولة على بسط سلطتها.

وهذا التحوّل في وظيفة السلاح يظهر في:

  • تقييد تحرك الأجهزة الأمنية في الضاحية والمناطق المحيطة.
  • إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، حيث يصبح الولاء للأجهزة التابعة للحزب شرطاً للاستقرار الشخصي والمعيشي.

البيان الوزاري في مهبّ الريح

استمرار العمل باللجنة الأمنية يتعارض مع التزامات الحكومة اللبنانية في البيان الوزاري، الذي نصّ بوضوح على “احتكار الدولة للسلاح والأمن والقضاء”. ويشكّل هذا الواقع انتكاسة سياسية وأمنية، كما يضعف موقف لبنان أمام المجتمع الدولي، الذي يربط تقديم الدعم بتعزيز سيادة المؤسسات الرسمية.

الفوضى المنظمة: نموذج برج البراجنة

في مخيم برج البراجنة، يتكرّس نموذج آخر للفوضى غير الخاضعة لرقابة الدولة. المخيم، الذي يُفترض أن يكون تحت إشراف لبناني وفلسطيني مشترك، تحوّل إلى منطقة خارجة عن السيطرة، حيث يُشتبه بإيواء مطلوبين وتُدار أنشطة غير قانونية. ويُطرح التساؤل حول قدرة “الحزب” على ضبط الحدود الجنوبية، في حين يعجز – أو يتغاضى – عن فرض النظام في المخيمات الواقعة ضمن نفوذه.

تحرير الدولة من الازدواجية

مع تنامي الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية وموقع السلاح غير الشرعي ضمنها، تبرز “اللجنة الأمنية” كاختبار جدي لأي نية فعلية في استعادة الدولة لدورها. فكفّ يد هذه اللجنة يُعدّ خطوة أولى على طريق استرجاع القرار الأمني والقضائي، وتحويل الضاحية وسواها من مناطق “استثناء” إلى جزء لا يتجزأ من السيادة اللبنانية.

وحدها الدولة القوية والعادلة تستطيع طي صفحة الازدواجية. أما بقاء “اللجنة الأمنية” في موقع القرار، فهو تكريس لواقع تتراجع فيه مؤسسات الدولة لصالح هيكل موازٍ لا يخضع لمحاسبة أو قانون.

المصدر : نخله عضيمه – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top