
في ظل الاستعدادات للجولة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية، المقررة يوم الأحد 4 أيار 2025، يُعتبر هذا الاستحقاق أول اختبار ديمقراطي في عهد الرئيس جوزيف عون. يترقب اللبنانيون هذه الانتخابات لمعرفة ما إذا كانت ستؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع الاستحقاقات العامة، على الرغم من صلاحيات البلديات المحدودة. أصبحت البلديات اليوم في صدارة المشهد الإداري، حيث تتحمل مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الإداري في ظل غياب الدولة الفاعلة.
تكتسب الانتخابات البلدية أهمية خاصة في ظل تراجع الثقة بين المواطن والدولة. فإلى جانب دورها كإطار للخدمات، باتت البلديات تمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة. أصبحت هذه الانتخابات ساحة لاختبار الوعي الشعبي، مع التركيز على تجاوز الانتماءات الطائفية والعائلية لصالح برامج واضحة وكفاءات حقيقية.
ومع عودة الحياة السياسية إلى الحركة في هذا المشهد البلدي، تلتقي مصالح العائلات والأحزاب وطموحات المجتمع المدني والمستقلين. تطرح الانتخابات أسئلة مهمة حول مفهوم المشاركة: من يحق له التصويت؟ ولماذا؟ وهل يمكن للناخب اللبناني تجاوز العوامل التقليدية مثل القرابة والطائفة لصالح خيارات عقلانية تصب في مصلحة البلدة أو المدينة؟
الرهان على السلطة المحلية
في ظل التراجع الكبير في قدرة الدولة المركزية على حل الأزمات، تبرز البلديات كمساحات يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المواطنين اليومية. بدءًا من البنية التحتية وصولًا إلى تنظيم العمران والمساحات العامة. لكن نجاح البلديات مشروط بانتخاب مجالس بلدية قائمة على الكفاءة والنزاهة، وليس على المحاصصة السياسية.
ومع استعدادات وزارة الداخلية لإجراء الانتخابات، عاد الجدل حول الوثائق المطلوبة للمشاركة. في البداية، كان من المقرر أن يقدم الناخب بطاقة هوية حديثة أو إخراج قيد فردي حديث، وهو ما أثار اعتراضات، خصوصًا من حملة البطاقات القديمة. وبعد ضغوط سياسية ومدنية، جرى تعديل الشرط ليقتصر فقط على من لا تحتوي بطاقاتهم على صورة. ورغم أن الهدف المعلن هو مكافحة التزوير، فإن التعقيد البيروقراطي زاد من المخاوف بشأن إمكانية إقصاء عدد كبير من الناخبين.
من يملك حق الاقتراع؟
يحق لكل لبناني بلغ سن الحادية والعشرين أن يقترع، بشرط أن يكون مسجلًا على لوائح الشطب في مكان قيده الرسمي. وهذا يشكل عائقًا للعديد من سكان المدن الكبرى، الذين لا يستطيعون التأثير في انتخابات مناطقهم الأصلية. كما يُشترط تقديم بطاقة هوية لبنانية أو إخراج قيد مطابق للناخب.
العملية الانتخابية تتم بطريقة مباشرة وسرية وفق النظام الأكثري. بعد التحقق من الهوية، يتسلم الناخب ظرفًا رسميًا، ويتوجه خلف العازل لاختيار لائحة كاملة أو تشكيل لائحة مختلطة عبر “التشطيب”. بعد ذلك، يُودع الظرف في الصندوق ويغمس إصبعه في الحبر الأزرق. تُغلق الصناديق عند الساعة السابعة مساءً، ويبدأ الفرز اليدوي في لجان القيد. ويسمح للناخبين الذين دخلوا قلم الاقتراع قبل السابعة بالتصويت حتى بعد ذلك الوقت.
التحديات السياسية
التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الإجراءات الانتخابية، بل في العقلية السائدة. فبالرغم من دخول جيل جديد إلى الحياة الانتخابية، لا تزال الزبائنية تتحكم في العلاقة بين الناخب والمرشح. ما يراه البعض معيارًا للمرشح “الناجح” هو قربه من الناس وتقديمه المنافع الشخصية، بدلاً من طرح برامج انتخابية واضحة تستند إلى القيم والكفاءات.
ختاماً،الأحد المقبل سيكون حاسمًا. خلال الأسابيع الأربعة المقبلة، وحده الناخب إذا أدرك أن صوته أداة فعل سياسي وممارسة حقيقية للمواطنة، سيكون قادرًا على إحداث الفرق وإطلاق مسار التغيير، حتى وإن بدأ من بوابة الشأن البلدي.
المصدر : كارين القسيس- نداء الوطن
