انتخابات بلدية… الأرقام تُكذّب الشعارات

شهدت الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة موجة من التضليل الإعلامي والسياسي، مارستها بعض الأحزاب والشخصيات عبر تصوير نتائجها بشكل مغاير للواقع. لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً مركزياً في تضخيم الانتصارات والتقليل من وقع الهزائم، مدفوعةً بالتنافس السياسي الحاد الذي يطغى على المشهد اللبناني.

فبينما سارعت بعض القوى إلى الاحتفال بفوزها، لجأت أخرى إلى التهوين من خسائرها، مستخدمة شعارات بعيدة كل البعد عن طبيعة الاستحقاق البلدي. والحقيقة أن الحديث عن فوزٍ حزبي مطلق في معظم المناطق أمر غير دقيق، إذ إن الانتخابات البلدية محكومة بعوامل متعددة لا تتوقف فقط عند الانتماء السياسي.

فمعايير الفوز في هذه المعارك تتخطى الهوية الحزبية، لتشمل أسماء المرشحين، خصوصاً رؤساء اللوائح، ومستوى كفاءتهم وسمعتهم ونسبهم العائلي، إضافة إلى برامجهم الانتخابية، وحملاتهم الإعلامية، ناهيك عن الأدوار الكبيرة للرشاوى، الضغوط، الحساسيّات الطائفية، النكايات الشخصية، والتحالفات السياسية أو العائلية.

ومن المهم التمييز بين الخسارة في الانتخابات البلدية والخسارة السياسية العامة. فعلى سبيل المثال، خسر حزب “القوات اللبنانية” في بلدية دير القمر، لكنه سجّل الرقم الأعلى من الأصوات في المنطقة، ما يُظهر أن الخسارة كانت بلدية لا سياسية. الأمر نفسه ينطبق على “التيار الوطني الحر”، الذي خسر بعض المجالس، لكنه حقق أرقاماً لافتة، كما حصل في جزين، حيث خسر “القوات” الانتخابات لكنّه تقدّم في عدد الأصوات.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن بعض الأحزاب فازت لأنها دعمت رؤساء بلديات يتمتعون بسجلّ ناجح، فيما خسرت أخرى بسبب رهانها على رؤساء بلديات فاشلين، وهو عامل أثّر بشكل حاسم في العديد من المناطق. يُضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بـ”الانتخاب العقابي”، كما حصل في زحلة مثلاً، حيث كان ترؤس أسعد زغيب للائحة عاملاً سلبياً انعكس في نتائج الاقتراع.

المال الانتخابي شكّل عاملاً حاضراً بقوة في هذه الانتخابات، إذ أن جميع الأطراف، من أحزاب إلى مرشحين ونواب حاليين وسابقين، لجأوا إلى إنفاق المال السياسي بدرجات متفاوتة، ما يجعل من الصعب توجيه اتهامات حصرية لطرف دون آخر.

في المحصّلة، لا يمكن البناء على نتائج الانتخابات البلدية لاستخلاص دلالات حاسمة عن الانتخابات النيابية المقبلة، رغم أنها تعكس إلى حد ما مزاجاً شعبياً عاماً. ففارق الزمن بين الاستحقاقين يصل إلى عام، والقانون الانتخابي النيابي مختلف تماماً من حيث الشكل والمضمون، سواء من حيث اللوائح المقفلة أو الأصوات التفضيلية وحجم الدوائر، إضافة إلى نظام النسبية المعتمد.

أما من يسعى لقراءة الأحجام السياسية الفعلية، فعليه ألا يكتفي بأسماء الفائزين، بل بالنظر إلى الأرقام والنتائج التفصيلية. ففي بعض الأحيان، يكون “الخاسر” بالأصوات هو من حقق التقدّم الفعلي، بينما “الفائز” قد يكون في الواقع الأقل تمثيلاً.

المصدر : داني حداد- mtv

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top