
رغم تعهد حكومة الرئيس نواف سلام منذ انطلاقتها باعتماد نهج إصلاحي شفاف في التعيينات الإدارية، إلا أن الوقائع تكشف استمرار منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ في التعيينات، كما لو أن شيئاً لم يتغير.
فحتى الساعة، ما تزال التعيينات المالية عالقة، في ظل فشل التوافق على تعيين نواب حاكم مصرف لبنان وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف. العقبة الأولى تكمن في إصرار الرئيس نبيه بري على تثبيت وسيم منصوري نائباً للحاكم كشرط مسبق، بينما يتمسك النائب السابق وليد جنبلاط بحق اختيار العضو الدرزي، ما يجعل أي اتفاق مستبعداً حتى إشعار آخر.
أما التعيين في موقع المدعي العام المالي، فيواجه هو الآخر فيتو من بري الذي يرفض طرح أي اسم بديل للقاضي زاهر حماده، ما يعكس بوضوح حجم الاشتباك السياسي الذي يعطّل أي تقدم.
الآلية تحت المجهر: إصلاح شكلي وقرارات مسبقة
ورغم الترويج لآلية تعيين موظفي الفئة الأولى كأداة لضمان الكفاءة والنزاهة، تشير المعطيات إلى أنها باتت واجهة شكلية لتغطية قرارات محسومة مسبقاً، في ظل التفاف واضح على دور مجلس الخدمة المدنية والهيئات الرقابية. فبدلاً من أن يكون للمجلس دور فعلي في اختيار المرشحين، تقلّص حضوره إلى مشاركة شكلية ضمن لجان تقييم لا تُغيّر في النتائج شيئاً.
مصادر مطلعة تؤكد أن اللجنة المكلفة رفعت نتائج المقابلات إلى مجلس الوزراء، لكن الجدل اندلع حول طريقة عرض الأسماء والتصويت عليها، وسط اتهامات بمحاولات تمرير أسماء عبر جلسات غير شفافة.
بل إن بعض التعديلات على الآلية فتحت الباب لتدخلات مباشرة من وزراء وجهات نافذة، تمثلت في خفض معايير النجاح لإدخال أسماء محسوبة على قوى سياسية محددة، ما اعتُبر بمثابة “تحايل مؤسسي” على القواعد.
تعيينات محسومة… قبل أن تبدأ
في العديد من الملفات، تحوّلت الآلية إلى مجرد إجراء شكلي لتزكية مرشحين جرى التوافق عليهم مسبقاً. الأمثلة كثيرة:
- مفوّض الحكومة لدى مجلس الإنماء والإعمار: تم حصر التعيين بزياد نصر بعد انسحاب جميع المرشحين، في خطوة أثارت تساؤلات حول تسريب الأسماء والضغوط السياسية على بقية المتقدمين.
- مدير عام هيئة “أوجيرو”: اسم أحمد عويدات كان متداولاً حتى قبل شغور المنصب. ورغم إجراء مقابلات تقييم، جاءت النتيجة مطابقة للتوقعات، ما يثير شكوكاً حول حيادية الآلية.
- تعيينات جاهزة للتمرير: تشمل رندة حمادة (الصحة العامة)، فاديا حلال (الشباب والرياضة)، وزياد شيا (سكك الحديد)، حيث يبدو أن الأسماء مختارة مسبقاً وفق اعتبارات طائفية وسياسية، وتُعرض على أنها نتيجة “طبيعية” لآلية التعيين.
الهيئات الناظمة: استقلال مفقود وتقاسم مستمر
توسّعت ظاهرة المحاصصة لتشمل حتى الهيئات الناظمة المفترض أن تكون مستقلة، مثل هيئة تنظيم الاتصالات والكهرباء وهيئة الطيران المدني. فبدلاً من تشكيل مجالس إدارتها وفق الكفاءة والاستقلالية، تُطرح الأسماء على أساس الانتماء السياسي والطائفي.
وتشير معلومات إلى محاولات لزيادة عدد أعضاء بعض الهيئات لضمان تمثيل القوى السياسية، تماماً كما حصل مع هيئة إدارة قطاع البترول، التي انتهى بها المطاف أداة شكلية بيد السلطة.
اللافت أن هذا المسار يتعارض مع تعهدات الحكومة أمام الجهات المانحة، وعلى رأسها البنك الدولي، الذي أبدى قلقه من عودة التدخلات السياسية، ملوّحاً بإعادة النظر بالدعم إذا استمر هذا النهج.
خلاصة: ورقة توت تغطي نظاماً سياسياً مأزوماً
في المحصّلة، الآلية التي طُرحت على أنها بوابة للإصلاح الإداري، تحوّلت إلى أداة لتكريس الأعراف القديمة بطرق جديدة. فالقرارات تُحسم في الكواليس، والمرشّحون يُختارون وفق موازين القوى، لا بناءً على الكفاءة والشفافية.
طالما أن عقلية المحاصصة تُسيّر التعيينات، ستبقى مؤسسات الدولة رهينة الترضيات السياسية، وسيفقد المواطنون ثقتهم بأي مسار إصلاحي.
إن الإصلاح لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة حقيقية لكسر القواعد التي حكمت الإدارات لعقود. وحتى ذلك الحين، ستبقى الآلية مجرّد قناع يخفي واقعاً مأزوماً ومؤسسات تنهار من الداخل.
المصدر : نخله عضيمه- الشرق الأوسط
