
بقلم ندى جوني
لطالما شكّلت أزمة الكهرباء أحد أبرز وجوه الفشل في إدارة المرافق العامة. ورغم وعود الحكومات المتعاقبة بإصلاح هذا القطاع الحيوي، ظلّت التغذية الكهربائية غير مستقرة، معتمدة على معامل قديمة تعمل بالفيول المكلف والملوّث، في ظلّ غياب استثمارات حقيقية في مصادر طاقة مستدامة أو خطة واضحة للإنتاج والتوزيع. وقد تفاقمت الأزمة بشكل حاد بعد عام 2005، لتتحول إلى عبء ثقيل على الخزينة العامة، التي أنفقت أكثر من 40 مليار دولار على هذا القطاع دون أي تحسّن فعلي في الخدمة.
بعد الأزمة الإقتصادية وانخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية، عام 2019، دخل قطاع الكهرباء مرحلة شلل تام، فتراجعت ساعات التغذية إلى حدود الساعة أو الساعتين يومياً في معظم المناطق.
وفي ظلّ غياب الدولة، وجد المواطن نفسه مضطراً لتحمّل العبء الكامل للأزمة. فدفع الشعب اللبناني الثمن مضاعفًا. ومع استمرار الإنهيار، لجأت آلاف العائلات إلى تركيب ألواح طاقة شمسية كمصدر بديل للحصول على الكهرباء، في مشهد يعكس كيف أن الشعب، لا الدولة، هو من بادر إلى البحث عن حلول.
ضمن الإطار المذكور، حصل موقع “ديموقراطيا نيوز “، على بعض المعلومات من مصادر مقرّبة من وزارة الطاقة عن بعض الخطط المطروحة التي يمكن أن تحلّ المسألة بشكل جذريّ ومستدام.
خطة إصلاح قطاع الكهرباء: الوزير صدي يعد بحلول مستدامة ويعلن خطوات تنفيذية
أشارت مصادر مقربة من وزارة الطاقة إلى أن الوزير جو صدي، ومنذ تسلّمه منصبه، أكد عزمه على العمل وفق رؤية مستدامة لإصلاح القطاع، بعيداً عن الحلول الترقيعية التي اعتادها اللبنانيون، خصوصاً في ملف الكهرباء المزمن. وأوضحت المصادر أن الوزير يركّز في خطّته على ثلاث نقاط أساسية تهدف إلى إعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس حديثة وفعالة.
زيادة القدرة الإنتاجية من خلال إنشاء معامل حديثة على الغاز
تبلغ القدرة الإنتاجية الحالية للكهرباء في لبنان نحو 1200 ميغاواط، وهي لا تكفي سوى لتأمين تغذية تتراوح بين 8 و10 ساعات يومياً في أفضل الأحوال، بينما الحاجة الفعلية تفوق هذا الرقم بأضعاف. ولهذا، يضع الوزير في سلّم أولوياته إنشاء معمل جديد يعمل على الغاز، على أن يكون نموذجاً حديثاً من حيث الكفاءة والإنتاج، مع الإشارة إلى أن لبنان بحاجة إلى أكثر من معمل واحد بسبب التأخّر المزمن في الإنشاءات، الذي تجاوز 15 عاماً.
ويرى صدي أن الإعتماد على الغاز سيساهم في تخفيض كلفة الإنتاج من جهة، والحد من الأثر البيئي السلبي من جهة أخرى. وتسعى الوزارة إلى تأمين التمويل اللازم لهذه المشاريع عبر جولات خارجية ولقاءات مع جهات مانحة، بالإضافة إلى تبني أنظمة الشراكة مع القطاع الخاص (BOT)، كوسيلة لتسريع التنفيذ وضمان الاستمرارية.
ضبط الهدر وتحسين الجباية
في ما يتعلق بالجباية، تشير التقديرات إلى أن نسبتها لا تتعدى 60%، مقابل هدر تقني يصل إلى 10%، وهدر غير تقني بنسبة 30%، وهو ما يشكّل عبئًا كبيراً على مؤسسة كهرباء لبنان.
وفي هذا السياق، أرسل الوزير صدي كتاباً إلى مجلس الوزراء، حسبما أفادت المصادر من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا النزيف، لا سيما وأن نسبة الهدر الإجمالي (40%) لم تعد قابلة للتحمّل.
كما يسعى الوزير إلى تفعيل التعاون مع القوى الأمنية والعسكرية من خلال غرفة عمليات مشتركة تُعنى بتطبيق القانون وضبط التعديات، بما يضمن تنفيذ سياسة الجباية بشكل فعلي، ويضع حداً للسرقات والإستهلاك غير المشروع.
تفعيل الطاقات البديلة وإنهاء حالة الجمود في تنظيم القطاع
من جهة أخرى، تؤكد المصادر إلى أن الوزير صدّي يسعى إلى تفعيل ملف الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية.
وفي هذا الإطار، استدعى أصحاب 11 رخصة صادرة عن مجلس الوزراء عام 2022 لإنشاء مزارع للطاقة الشمسية، وأمهلهم حتى نهاية العام الحالي للبدء بالتنفيذ، ملوّحاً باستخدام صلاحياته القانونية في حال استمر تعطيل هذه الرخص، منعاً من أن تغلق عليها الجوارير.
كما يراهن صدي على تفعيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي كان يفترض إنشاؤها منذ أكثر من 23 عاماً، والتي تُعنى بإعطاء رخص إنتاج الكهرباء على نطاق واسع. وقد انتهت مهلة تقديم طلبات الترشّح، وتمّ وضع الملفات على سكة الدراسة، على أن يتمّ لاحقاً إجراء اختبار شفهي للمرشحين، رغم اقتراح الوزير لائحة بأسماء مؤهلة، وفق ما يتيح قانون 462/2002.
يبقى الأساس، الإنتقال التدريجي من الفيول إلى الغاز، وهو ما يتطلب إجراءات تنظيمية وتقنية ومناقصات شفافة. ومن أجل تحقيق هذه المخططات، تسعى الوزارة إلى إعادة بناء الثقة مع الدول المانحة والمؤسسات الدولية، من أجل تأمين الدعم الضروري لإنشاء معامل الغاز.
ورغم الطموح الكبير، تشير المصادر إلى أن تنفيذ هذه الخطوات يتطلب وقتاً، يصل لمدّة ثلاث سنوات لتحقيق النتائج المرجوة، شرط توفّر الإرادة السياسية والتمويل الضروري، إضافة إلى المتابعة الدقيقة للملف.
رغم التحديات الكبيرة والإرث الثقيل الذي يرزح تحته قطاع الكهرباء في لبنان، تبدو خطوات الوزير صدي بمثابة محاولة جدّية لإعادة الأمل إلى هذا الملف العالق منذ عقود. ويبقى الرهان الحقيقي على القدرة في تحويل الخطط إلى أفعال، وعلى الإرادة السياسية والرقابة الفاعلة لمواكبة مسار التنفيذ وضمان استمراريته بعيداً عن المحاصصة والتجاذبات.
