
في كل مرة يُطرح فيها ملف التعيينات الإدارية في لبنان، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل نحن أمام عودة إلى نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، أم أن البلد عاجز أصلاً عن الخروج من هذا النموذج؟ والسؤال الأدق ربما ليس “هل عدنا؟” بل “هل غادرنا المحاصصة أصلاً في يوم من الأيام؟
منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، لم تنجح الدولة اللبنانية في إنتاج آلية شفافة ووطنية موحدة للتعيينات في الإدارات العامة، رغم النصوص الدستورية التي تكرّس مبدأ الكفاءة، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ تكافؤ الفرص. وبقيت التعيينات أسيرة توازنات دقيقة بين الطوائف، وتفاهمات بين الأحزاب، في مشهد يُعيد إنتاج الزبائنية ويُجهِض أي محاولة للإصلاح البنيوي.
آلية معطلة وشفافية مفقودة
على الورق، هناك آليات للتعيين تم إقرارها على مدى السنوات الماضية، أبرزها الآلية التي وُضعت عام 2010 بقرار من مجلس الوزراء لتنظيم التعيينات في الفئة الأولى. هذه الآلية تقوم على دورٍ محوري لمجلس الخدمة المدنية، عبر وضع معايير لاختيار المرشحين وفقاً للجدارة والكفاءة. لكنها سرعان ما تعثرت، وجرى تعطيلها أو تجاوزها مراراً، تحت ذرائع “الخصوصيات الطائفية” و”التمثيل السياسي”.
في الممارسة، باتت التعيينات تُدار كصفقات تُبرم بين القوى السياسية، كلٌ يبحث عن حصته، لا عن الأصلح للموقع. ومن يخرج عن هذا المنطق، يجد نفسه خارج التفاهمات، وربما خارج المنظومة كلها. حتى المواقع التقنية أو الإدارية البحتة، لم تسلم من منطق المحاصصة، وكأن الكفاءة تُقاس بمعيار “الولاء السياسي” لا السيرة الذاتية.
مسؤولية دستورية أم واقع سياسي مفروض؟
بحسب الدستور اللبناني، تعود مسؤولية التعيينات الإدارية من الفئة الأولى إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، بناءً على اقتراح الوزير المختص، وبعد موافقة رئيس الجمهورية. أي أن الجهة التنفيذية هي المخوّلة دستوريًا باتخاذ القرار، ضمن آليات واضحة ومحددة. غير أن ما يحصل في الواقع، يكشف عن خلل بنيوي في ممارسة هذه الصلاحيات.
فإلى جانب الدور الدستوري لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، يلعب رئيس مجلس النواب، رغم عدم امتلاكه أي صلاحية تنفيذية مباشرة في هذا السياق، دورًا محوريًا في فرض أسماء مرشحين أو في تعطيل مسارات التعيين، خصوصًا عندما تكون التوازنات السياسية الهشة تتطلب توافقًا “فوق دستورياً” بين رؤوس السلطة الثلاثة.
هذا الواقع يطرح إشكالية دستورية جدّية: هل يُعتبر تدخل رئيس السلطة التشريعية في قرارات تنفيذية بحتة خرقًا لمبدأ الفصل بين السلطات؟ من الناحية الدستورية، الجواب نعم. لكن في لبنان، غالبًا ما يُغلَّب “التفاهم السياسي” على النصوص الدستورية، وتُدار الدولة كمنظومة توازنات لا كدولة مؤسسات.
الكفاءة في خدمة الزعيم
والأسوأ أن هذه المحاصصة لم تعد فقط بين الطوائف، بل أصبحت داخل الطائفة نفسها. فتعيين ماروني، على سبيل المثال، لا يتم إلا بتوافق بين زعماء الموارنة؛ وكذلك السنّي والشيعي والدرزي. وهذا ما حوّل الإدارة العامة إلى مساحة لتقاسم النفوذ، لا إلى أداة لتنفيذ السياسات العامة.
الآثار الكارثية
النتائج لا تحتاج إلى تحليل معمّق: إدارات مشلولة، موظفون غير مؤهلين، ترهل وظيفي، وانعدام للمساءلة. كيف يمكن محاسبة موظف جاء نتيجة “اتفاق سياسي”؟ وكيف يمكن إصلاح إدارة تخضع في قراراتها لمسؤولين من خارجها؟
هل من أمل؟
رغم الصورة القاتمة، لا تزال هناك نوافذ أمل. فقد أظهرت بعض المبادرات الفردية، وبعض التجارب في هيئات مستقلة، أن الإدارة اللبنانية لا تخلو من الكفاءات. لكنها تحتاج إلى حماية سياسية وقانونية، وإلى قرار واضح بوقف منطق المحاصصة.
الوقت لا يسير في صالحنا. فدولة بلا إدارة فاعلة، هي دولة عاجزة عن النهوض، ومجتمع بلا ثقة بالمؤسسات هو مجتمع على طريق الانفجار.
المصدر: جاد الاخوي_ نداء الوطن
