
يشكّل البحر اللبناني، الممتدّ على طول 220 كيلومتراً من شمال البلاد إلى جنوبها، جزءاً لا يتجزأ من الهوية الجغرافية والثقافية للبنان. فهذا الشريط الساحلي الذي يجمع بين الجمال الطبيعي والتراث البحري، لطالما كان متنفساً طبيعياً، ومورداً اقتصادياً وسياحياً بالغ الأهمية. لكنّ هذا المورد الحيوي يرزح اليوم تحت وطأة التلوث والإهمال المزمن، مهدّداً الصحة العامة والاقتصاد البحري، ونازعاً عن الشاطئ اللبناني هويته كمساحة عامة جامعة.
البحر… مورد حيوي وسياحي
لطالما لعب البحر دوراً محورياً في تنشيط قطاعي السياحة والصيد البحري، موفّراً آلاف فرص العمل في المؤسسات البحرية من مطاعم واستراحات ونوادٍ سياحية. يقول سامي، صاحب استراحة بحرية في منطقة الجية:
“الصيف هو الموسم الأساسي لنا. البحر يجذب الناس من كل المناطق، والسياحة الداخلية تعتمد عليه بشكل كبير، خاصة بعد تراجع القدرة على السفر إلى الخارج”.
كما يُعتبر البحر متنفساً أساسياً لسكان المدن المكتظّة، لا سيما في بيروت وضواحيها، حيث تقلّ المساحات الخضراء وتكاد تنعدم الحدائق العامة، ما يجعل الشاطئ ضرورة حياتية وبيئية.
أزمة التلوّث وتراجع الثروة البحرية
رغم ما يقدّمه البحر، فإن صورته الحالية لا تعكس قيمته. فبحسب تقارير وزارة البيئة ومنظمات بيئية مستقلة، نسبة كبيرة من الشواطئ اللبنانية ملوثة وغير صالحة للسباحة، نتيجة رمي مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة مباشرة في البحر من دون معالجة.
توضح نادين، وهي ناشطة بيئية:
“نواجه كارثة حقيقية. البحر الذي يُفترض أن يمنحنا الصحة بات مصدر أمراض جلدية ومعوية. والمشكلة أن التلوّث مستمر بلا رادع”.
وتضاعف الأزمة التعديات المستمرة على الأملاك البحرية العامة، عبر الردم العشوائي وبناء المشاريع الخاصة، ما حوّل أجزاء واسعة من الشاطئ إلى مساحات مغلقة محرومة من الاستخدام العام.
أما الصيد البحري، الذي كان يوماً مصدر رزق لمئات العائلات، فقد تراجع بشكل ملحوظ بسبب التلوّث وتراجع الثروة السمكية. يقول صيّاد في ميناء صيدا:
“السمك قلّ، والمياه ملوثة، ونحتاج إلى دعم حقيقي. نحن نُعاني بصمت، والبحر لم يعد كما كان”.
غياب الرؤية الوطنية
ورغم الجهود الفردية والمبادرات التي يقودها المجتمع المدني لتنظيف الشواطئ وتوعية المواطنين، فإن غياب خطة وطنية شاملة يشكّل العقبة الأكبر أمام أي معالجة فعلية. فالمطلوب ليس مجرد حلول ظرفية، بل سياسة وطنية تبدأ من وقف التعديات، ومعالجة مياه الصرف، ومراقبة المصانع القريبة من البحر، وصولاً إلى إعادة تأهيل الشاطئ اللبناني كمرفق عام للجميع.
خاتمة:
يبقى البحر اللبناني ثروة لا تُقدّر بثمن، وواحداً من أبرز عناصر الهوية اللبنانية. لكن الحفاظ عليه لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية وإنسانية تتطلّب إرادة سياسية حازمة، وتعاوناً فعلياً بين الدولة والمجتمع المدني، لإنقاذ ما تبقى من هذا المورد الذي كان ولا يزال مرآة لبنان على العالم
