بين نبتة واعدة وخطة بحاجة لـ”Update” يتجلّى واقع لبنان… أبو شقرا: استعادة خطة “ماكنزي” ممكنة لكن بشرط زوال الأسباب المعرقلة

بقلم رنا سلما

في بلدٍ اعتاد أن يضع الخطط ولا ينفّذها، شكّلت خطة “ماكنزي” عام 2018 استثناءً في الشكل، لا في المصير. خطةٌ وُصفت حينها بالطموحة، وضعت لبنان على خريطة اقتصادية جديدة، ووعدت بالتحوّل إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الابتكار والقدرات التنافسية.
ركّزت الخطة على تحفيز القطاع الخاص وتطوير قطاعات واعدة كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة، واضعةً لنفسها أفقًا زمنيًا. ومن المفارقات أن الخطة ركّزت على تشريع زراعة القنّب الهندي كأحد الحلول السريعة، وهو ما أثار جدلاً. واليوم تبدو هذه الزراعة وكأنها الاقتراح الوحيد الذي لا يزال حياً.
لكن بين وعد الخطة وواقع الدولة، تلاشت معها فرص التنفيذ.
اليوم ومع انقضاء المهلة الزمنية، يعود سؤال جوهري إلى الواجهة:
هل انتهت صلاحية “ماكنزي”؟ أم يمكن انتشالها من الأدراج، وإحياؤها لتكون أساسًا لخارطة طريق جديدة في ظل متغيرات إقليمية قد تحمل معها الفرص؟

“ماكنزي” خطّة منتهية الصلاحية “قانوناً”
بشكل أساسي كانت “ماكنزي” خطّة خمسيّة تقضي بتطوير الاقتصاد اللبناني والاستفادة من قدراته التنافسية وتعزيز القيمة المضافة بقطاعاته الإنتاجية والخدماتية بين الأعوام 2020 و2025، وبالتالي تعد اليوم خطّة منتهية الصلاحية قانوناً، وذلك بحسب القانون الذي تم وضعها على أساسه”. هذا ما يقوله الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا.
ويضيف “في حين أن قانون القنّب الهندي كان من ضمن الأمور الأساسية في الخطّة لتطوير القطاع الزراعي بشكل أساسي، وتكمن ميزته بأنه في العام 2020 أقرّ البرلمان اللبناني هذا المشروع بقانون حمل الرقم 2020178/ وكان ينقصه طوال السنوات الخمس الماضية إصدار المراسيم التطبيقية، لذلك بقي هذا القانون حبراً على ورق. وحالياً وضع مجلس الوزراء هذه المراسيم التطبيقية لقانون تم إقراره بالعام 2020 ولم يعدّل على خطة “ماكنزي” لإعادة تطبيقها أو تفعيلها، وبالتالي برأيي غير مطروح إعادة تفعيل الخطة، بل على العكس اليوم أعتقد أن مجلس الوزراء، وزير المالية، ووزير الاقتصاد يبحثون مع كافة الوزارات لوضع خطة اقتصادية جديدة تكون متماشية مع الظروف والأحداث التي مرّ بها لبنان، وبالتالي خطة “ماكنزي” غير مطروحة من جديد”.

خطة قطاعية غير قابلة للتطبيق في الوضع الحالي

يشير أبو شقرا الى ان “خطة “ماكنزي” كانت ممتازة وهي خطة قطاعية تعتمد بشكل أساسي على القطاع الخاص للاستثمار بقطاعات إنتاجية وخدماتية يملك فيها لبنان قدرة تنافسية عالية، وقيمة مضافة كبيرة، منها على سبيل الذكر قانون القنّب الهندي، وبالتالي تساعد على النمو الاقتصادي وزيادة حجم الاقتصاد وفرص العمل لكن شرط أن تكون مرفقة ببعض القوانين المطلوبة للتسهيلات الضريبية والتشريعية والاعفاءات وتوحيد الإجراءات وغيرها من الأمور التي تشجّع المستثمرين للقدوم إلى لبنان”.
يقول أبو شقرا “برأيي أصبح من الصعب تطبيق خطة “ماكنزي” ليس فقط بسبب إهمالها لفترة زمنية طويلة حصل خلالها تطورات كبيرة، بدءاً من أزمة كورونا، الانهيار الاقتصادي، تفجير المرفأ، وصولاً إلى الإهمال بكافة القطاعات والمجالات في لبنان، إنّما بسبب متطلّباتها الأساسية عبر وجود قطاع مالي ومصرفي قوي، الذي كان من حيث الشكل أو أقلّه ظاهرياً موجود في العام 2018. فيما نحن اليوم، أولاً خسرنا هذا القطاع الذي كنّا نستند عليه لتمويل القطاع الخاص وجذب الاستثمارات، ثانياً مازال لبنان يعاني من مشكلات بالتشريعات”.
ويضيف “كيف نطلب من المواطنين والمغتربين الاستثمار بالقطاعات ووضع ملايين الدولارات في بلد يفتقد للأمان والاستقرار في ظل استمرار الحرب بشكل أو بآخر، تعطيل القضاء، وعدم انتظام القطاع العام بالإضافة إلى المشكلات الإدارية والتقنية الكبيرة التي تواجهه، وزيادة الضرائب لا سيما منها غير المباشرة ونثقل كاهل الأفراد والشركات بالضرائب… لذلك من الصعب جداً تحقيق بنود هذه الخطة”.

زراعة القنّب الهندي قيمة مضافة
يقول أبو شقرا انه ” اننا نملك ميزة تفاضلية كبيرة بقطاعات مختلفة، ومنها القطاع السياحي الذي يجب تطويره وزيادة الاستثمارات فيه، والقطاع الزراعي من خلال الاستفادة من السهول وتحديداً من سهل البقاع لزراعة النباتات المؤاتية والتي تصاب بأمراض أقل ولديها قيمة مضافة مثل زراعة القنّب الهندي، وبصناعات المواد الغذائية بشكل أساسي، وأيضاً بالصناعات الاستشفائية وبالتعليم، أي كل القطاعات التي لدينا فيها ميزة تفاضلية كبيرة . هذا هو جوهر عمل ماكنزي مع ما يتطلّب ذلك من تشريعات وإقرار قوانين في البرلمان وتنفيذها”.
إلا انه واقعياً لم يتحقق أي شيء من هذه الأمور وبرأي أبو شقرا “لا يعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن تحقيقه لسببين أولهما خسارة القطاع المالي والمصرفي والذي أيضاً كان لدينا فيه ميزة تفاضلية وبنتيجته خسارة قطاعات كبيرة مثل التعليم والصحة، وبالقطاع السياحي لدينا كلفة انتاجية كبيرة من حيث المياه والكهرباء مما يشكل 30% من الكلفة الانتاجية لهذه الشركات وبالتالي من المستحيل الاستفادة من الاستثمار بالقطاع السياحي ما لم يتم معالجة مشاكل الكهرباء والمياه وتأمينها بخدمة وكلفة متدنيّة لتشجيع الاستثمارات فيها، وبالطبع والأهم تحقيق الأمان”.

أرقام صادمة تكشف عمق الخلل في البنية الاقتصادية
يقول أبو شقرا ان “الأرقام الصادمة تكشف عمق الخلل في البنية الاقتصادية. ففي الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، بلغت صادرات لبنان 1.5 مليار دولار، مقابل واردات تجاوزت 8 مليارات. أي أن العجز في الميزان التجاري يفوق 6.5 مليارات دولار. الخطورة تكمن بالذي نصدّره 54 في المئة من صادراتنا عبارة عن صادرات المجوهرات وأغلبيتها غير مشغولة، معنى ذلك انها ليس لديها قيمة مضافة والخردة ، وهذا خطير على الصادرات اللبنانية في حين ان الصادرات التي فيها قيمة إنتاجية مرتفعة مثل المواد الغذائية، المواد المصنّعة وغيرها صادراتها متدنية جداً، وبالتالي اذا لم نعمل بشكل جدّي على القطاعات الإنتاجية وزيادة تصديرها فإنه لا يوجد أي أمل بالتعافي في القطاعات الإنتاجية في لبنان وزيادة الاستثمار فيها، وطبعاً هناك صعوبة بتحقيقه لأنه ببساطة الكلفة الإنتاجية مرتفعة على المزارعين فالبضائع تباع بأسعار أغلى، لأن طرق تصديرنا ما زالت مقفلة إن كان من خلال ارتفاع كلفة المرور والعبور عبر سوريا أو إلى الدول العربية عبر استمرار إقفال السعودية أبوابها أمام البضائع اللبنانية إلى أسواقها والمرور منها إلى الأسواق الخليجية، فالمصدّرين يضطرون أن يصدّروا البضائع عبر البحر وبذلك ترتفع الكلفة وتطول المدة”.

تحدّي إعادة إحياء “ماكنزي”
التحدي اليوم لا يكمن في إعادة تفعيل “ماكنزي” كما هي، بل في إعادة بناء البنية التحتية والمؤسساتية التي تمكّن من تنفيذ أي خطة اقتصادية.
يعتبر أبو شقرا “نتيجة الانهيار لبنان فقد دور كبير نتيجة هذه المشكلات، واستعادة خطة “ماكنزي” ممكنة لكن بشرط تحديثها وزوال الأسباب المعرقلة منها التشريعية، القضائية، البنى التحتية والاستثمار لا سيما توفير الكهرباء والمياه. وإلّا اذا استعدنا اليوم خطة “ماكنزي” ونفضنا عنها الغبار وأعدنا تجديدها بظل المشاكل لا سيما ارتفاع الكلفة الانتاجية واستمرار كل العقبات التشريعية ستبقى حبراً على ورق ولن يستفيد منها لبنان”.

لا يمكن أن ننهض بلبنان من دون رؤية طويلة الأمد محدّثة ومرتبطة بخطة اقتصادية قابلة للتنفيذ، مع ضمان إدراج مبادئ الإصلاح في المؤسسات ومكافحة الفساد كأساس، وربط الاقتصاد اللبناني بالتحولات الاقليمية والدولية بدل أن يبقى أسير أزماته الداخلية. والأهم من كل ما سبق التزام الحكومة بآليات التنفيذ والمساءلة… لا أن تبقى الخطط تقارير على ورق!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top