
كتب د. عبدالله بارودي
لم تكن جولة السفير السعودي في لبنان وليد بخاري في طرابلس مجرّد زيارة سياحية أو ترفيهية، بل حملت في طيّاتها رسائل عديدة أراد بخاري بحنكته المعهودة ان تصل الى المجتمع الطرابلسيّ بكل انتماءاته و أطيافه وتلاوينه.
لكن في نفس الوقت، لا يمكن ان تُحمّل هذه الزيارة أبعادًا أكثر مما تحتمل -خصوصًا- ونحن على مسافة 10 أشهر فقط من الإنتخابات النيابية المقبلة.
ما يعني ان تفاصيل الزيارة يجب ان تُقرأ بعناية وتمعّن دون اعطائها أي مؤشرات او استنتاجات يمكن ان تتعارض مع ما قد يحدث مستقبلًا من تطورات أو مستجدات قبل الوصول الى الأمتار الأخيرة من الإستحقاق النيابي!..
من الواضح، ان السفير بخاري أراد ان يؤكد من خلال محطات زيارته المتعددة الإتجاهات، أن المملكة تعطي أهمية بالغة لطرابلس ودورها الوطني والإقليمي، لكنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا مفاضلة أو تمييز بين المكوّنات أو المرجعيات السياسة في المدينة -ولو ظاهريًّا- بإعتبار ان أي تقارب بين شخصية وأخرى من السعودية معياره الأهم النهج، السلوك، و الممارسة السياسية المحلية والإقليمية التي تسلكها تلك المرجعية أو الأخرى، ومدى التزامها بالمواصفات الأساسية التي رسمتها القيادة السياسية في الرياض في إطار استعادة تفعيل علاقتها مع الدولة اللبنانية ومسؤوليها..
لذا، لم يكن من المستغرب ان نجد السفير السعودي في دارة الرئيس نجيب ميقاتي لتنقُض وتعاكس هذه الزيارة كل ما كان يُثار من تشكيك وعلامات استفهام حول العلاقة السياسية ومدى تأزمها بين ميقاتي والمملكة!..
في المقابل، شكّل لقاء بخاري مع الوزير محمد الصفدي الذي شارك به أحمد الصفدي ورئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، علامة فارقة لجهة التساؤل عن مدى استعادة زخم الحضور والدور السياسي والإنمائي للصفدي في المدينة!..
لكن المحطة التي أثارت العديد من علامات الإستفهام وطرحت الكثير من التساؤلات، كانت لقاء بخاري والوزير السابق سمير الجسر في منزل الأخير. كيف لا؟، وهي الزيارة الأولى منذ زمن بعيد لممثل الدبلوماسية السعودية لأحد أهم وأبرز رموز “تيار المستقبل” في لبنان، والتي أوحت وأعطت انطباعًا واضحًا بعمق العلاقة والصداقة التي تجمع الضيف والمُضيف، وهو ما أراد الجسر نفسه التأكيد عليه من خلال مضمون بيانه الصادر عقب الزيارة دون اعطائها أي صبغة أو ارتدادات سياسية!..
“اللفتة” الواضحة في يومه الطرابلسيّ الطويل، خصّصها السفير السعودي للسياسي خلدون الشريف بزيارته لمدة قاربت الساعتين، استمع خلالها بعيدًا عن الرسميات والتزام معايير البرتوكول، لهواجس كوكبة من فاعليات المدينة متعددة الإتجاهات والخلفيات السياسية والفكرية والثقافية. فتحوّلت الجلسة الى حوار ونقاش صريح شمل مختلف المواضيع والملفات الوطنية والإقليمية، اضافة طبعًا الى احتياجات الفيحاء الإنمائية.. فرسمت مشهدية توحي بأن الشريف قاب قوسين أو أدنى من خوض غمار الاستحقاق النيابي المقبل وفق مقتضيات و توزانات محلية واقليمية محدّدة!..
“ملائكة” الرئيس نبيه بري كانت حاضرة في هذا اليوم وتمثلت بزيارة بخاري لصهر الرئيس الطرابلسيّ سامر كبارة حيث أتت لتؤكد قوة ومتانة العلاقة بين المملكة ورئيس السلطة التشريعية في لبنان.
جولة السفير السعودي الطرابلسية التي انطلقت من بوابة “دار الفتوى” و اللقاء مع المفتي محمد إمام و حشد من العلماء والمشايخ والأئمة، لم تنتهِ فصول انعكاساتها بعد، وستبقى مدار حديث أبناء الفيحاء لأيام متتالية -خصوصًا- رجال أعمالها الذين سمعوا بشكل واضح من السفير بخاري ان مستقبل المدينة الإقتصادي مشرق وواعد، لأنها ستشكل عاجلًا أم آجلًا المنصة الأقرب والمحطة الأساس في اطلاق ورشة اعادة انماء واعمار سوريا..
