
بقلم رنا سلما
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية معًا، يبدأ اليوم (في الثاني من آب) ضخّ الغاز الأذربيجاني إلى سوريا، عبر البنى التحتية التركية، بتمويل مباشر من دولة قطر. المشروع الذي سيؤمّن الكهرباء لحوالي 5 ملايين سوري في مناطق حلب وضواحيها، يبدو كأول ترجمة عملية لخطة دعم إقليمي – وربما دولي – لقطاع الطاقة في سوريا، تحت عنوان “الإعمار التدريجي”.
الخبر الذي انتشر عبر تغريدة للمبعوث الأميركي توماس برّاك والسفارة الأمريكية لدى دمشق، لم يكن عابرًا. بل شكّل بمضمونه تأكيدًا على موافقة سياسية أميركية على الدعم. فبينما يُنظر إلى الغاز الأذربيجاني كبوابة طاقة، تُعطي قطر إشارات متزايدة بأنها تتطلع لدور أكبر في ملف الغاز والكهرباء في سوريا، يشمل بناء محطات، واستثمارات مستقبلية.
في المقابل، لا يزال لبنان، الغارق في عتمته، يتلقّى وعودًا منذ سنوات بضخ الغاز، وبأن الإنقاذ قريب. لكن شيئًا لم يتحقّق. العروض لم تنقص، بل القرار الداخلي السياسي هو الغائب.
المعادلة السورية: قرار سياسي أولًا
الخبيرة في شؤون النفط والغاز لوري هايتيان، توضّح المسار بقولها: “في سوريا، يُترجم الدعم السياسي إلى تنفيذ فوري. بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أذربيجان، ولقاءات عربية رفيعة، سارت الاتفاقيات بخطّ مستقيم، وها هو الغاز يصل فعليًا. قطر تموّل، تركيا تمرّر، أذربيجان تبيع، وأميركا لا تعترض، بل تبارك ضمنيًا. وكان سبق ان تم توقيع اتفاق قطري تركي أميركي مع سوريا لتطوير مشاريع طاقة بقيمة 7 مليارات دولار في أيار الماضي، يتضمن تطوير محطات توربينات غازية ومزارع طاقة شمسية.
الرسالة واضحة: من يملك قرارًا سياسيًا واضحًا، يملك القدرة على جذب الاستثمارات والمساعدات، حتى وسط العقوبات والمخاطر”.
لبنان: دولة بلا قرار
في المقابل، تقول هايتيان إن “الصورة في لبنان مختلفة تمامًا، فقطر أبدت استعدادها مرارًا لتمويل معامل كهرباء وتزويد لبنان بالغاز، لكن لا اتفاقات تمّت، ولا مشاريع انطلقت. والسبب غياب الإصلاح، عدم وجود قرار داخلي موحّد، وانعدام الغطاء السياسي العربي والدولي.”
وتتابع “لا إصلاحات، لا تفاهم داخلي، لا استراتيجية اقتصادية واضحة. والنتيجة ان لبنان لا يتلقّى الغاز، بل يتلقّى وعودًا لا تُنفّذ، وتصريحات لا تُترجم إلى اتفاقات تنفيذية”.
في الجوهر… ليس الغاز هو القضية
تختم هايتيان خلاصة المقارنة بالقول “المسألة ليست في توفر الغاز أو التمويل، بل في الجهة التي تحسم خيارها. سوريا، رغم كل التحديات، اتّخذت قرارها وكسرت جدار العزلة. لبنان، للأسف، لا يزال يُماطِل ويخسر كل الفرص”.
المشكلة في لبنان لم تعد تقنيّة، بل أصبحت وجودية، فهل هناك من يريد الخروج من الأزمة فعلًا؟ هل هناك قرار بتوقيع شراكة إنقاذ مع الداخل أولًا قبل الخارج؟
في النهاية، لا الغاز ولا الكهرباء ولا أي مشروع إنمائي سيصل من الخارج إلى بلد لا يعرف من أين يبدأ، ولا يريد أن ينتهي من الانقسام!..
