بقلم غسّان حلواني – ديموقراطيا نيوز

في جلسة وُصفت بأنها من أكثر الجلسات إثارة للجدل، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني أهداف ورقة برّاك الأميركيّة، رغم انسحاب وزراء الثنائي الشيعي من القاعة اعتراضًا على مضمونها وتوقيتها.
من الناحية الدستورية، لم يسجّل أي خرق للنصوص، إذ إن النصاب القانوني كان مكتملًا، والقرار لا يدخل في خانة “المواضيع الأساسية” التي نصّت المادة 65 من الدستور على وجوب إقرارها بأكثرية الثلثين. وبالتالي، فإن القرار يظلّ شرعيًا وقانونيًا من حيث الشكل.
لكن الميثاقية السياسية، وهي العرف الراسخ منذ الميثاق الوطني واتفاق الطائف، تطرح سؤالًا آخر: هل يجوز اتخاذ قرار مؤثر في ظل غياب مكوّن طائفي رئيسي عن الجلسة؟في السياسة اللبنانية، يعتبر كثيرون أن غياب طائفة بكاملها – حتى لو كان مؤقتًا – عن جلسة تتخذ قرارًا مهمًا، يضع هذا القرار في دائرة الشبهة الميثاقية. وهذا ما عبّر عنه الثنائي الشيعي، معتبرًا أن الحكومة تجاوزت التوازن الوطني.
في المقابل، ترى الحكومة أن الميثاقية لا تُقاس بغياب أو حضور مكوّن طائفي عن جلسة واحدة، بل بوجوده في تركيبة الحكومة ككل، مؤكدة أن الانسحاب من الجلسة لا يوازي الاستقالة من الحكومة، وبالتالي فإن الشرعية الميثاقية لا تزال قائمة.
تاريخيًا، شهد لبنان سوابق مماثلة، أبرزها عام 2006 حين استقال وزراء الثنائي الشيعي من حكومة فؤاد السنيورة، ما أدى إلى نزاع سياسي حول شرعية وميثاقية القرارات اللاحقة، رغم قانونيتها الدستورية.
و في حادثة مشابهة عام 2014 انسحب وزراء مسيحيين من جلسة معينة واعتبروا قراراتها غير متوازنة طائفيًا.الفارق اليوم أن وزراء الشيعة لم يستقيلوا، بل انسحبوا من جلسة محددة. و في الحالتين القرارات بقيت القرارات قانونية لكن الشرعية السياسية كانت موضع نزاع.

الخلاصة، لبنان أمام مشهد تتقاطع فيه شرعية القانون مع حساسية الميثاقية:
القانون يقول إن القرار سليم.
السياسة تقول إن الميثاقية قد تكون اهتزّت في الوجدان الطائفي.
وفي بلد يقوم على توازنات دقيقة، قد يكون لهذا الجدل انعكاسات سياسية في الشارع وفي علاقات المكوّنات داخل الحكومة، وربما في مسار تنفيذ أهداف الورقة نفسها.

من منظور الحكومة والمؤسسات الرسمية، قرار إقرار أهداف الورقة الأميركية عبر مجلس الوزراء لا يزال ميثاقيا ً وسليمًا، طالما تمّ اتخاذه في جلسة صحيحة النصاب ولم يُعرف عن وجود مخالفة دستورية في طريقة اعتماد القرار .

ما معنى “الميثاقية” في لبنان؟
“الميثاقية” في لبنان ليست مجرد مصطلح سياسي بل مرتبطة بالدستور وروحية اتفاق الطائف .
الميثاقية هي ترجمة سياسية لروح “الميثاق الوطني” (1943) واتفاق الطائف (1989).
جوهرها: ألا تُتخذ قرارات أساسية في الدولة ضد إرادة طائفة كبرى، بحيث تشعر هذه الطائفة أنها مغبونة أو مهمشة.
ليست مادة واضحة في الدستور، لكنها عُرف سياسي قوي.

الميثاقية في عمل الحكومة حسب الطائف :
اتفاق الطائف ودستور ما بعد 1990 نظّم عمل مجلس الوزراء كالتالي:
المادة 65 من الدستور تحدد أن “مواضيع أساسية” تحتاج إلى تصويت أكثرية الثلثين من عدد الوزراء، وتشمل:
تعديل الدستور
إعلان الحرب أو السلم
الاتفاقات الدولية
الموازنة العامة
القضايا المصيرية
القرارات الأخرى تُتخذ بالإجماع أو بأكثرية الحاضرين.
و بمراجعة نص الدستور و نص اتفاق الطائف فإن كلمة “الميثاقية” لم ترد فيه حرفيًا ، لكن جرى تكريسها سياسيًا بحيث يُعتبر غياب وزراء طائفة بكاملهم عن جلسة تتخذ قرارًا أساسيًا إخلالًا بالتوازن الوطني.

والسؤال الذي يرغب معظم الناس من غير المطلعين على الدستور بمعرفة الإجابة عليه هو :هل غياب وزراء الثنائي الشيعي يُسقط الميثاقية؟ الجواب هو :
قانونيًا: لا، طالما النصاب القانوني موجود (أكثر من نصف أعضاء الحكومة)، والقرار لا يحتاج إلى ثلثي الوزراء، يمكن إقراره.
سياسيًا: نعم يمكن الطعن بميثاقيته إذا اعتُبر القرار “أساسيًا” أو “مصيريًا” ويؤثر على شريحة أساسية في البلد، خصوصًا إذا غابت عنها طائفة رئيسية بالكامل.

إختلاط مفاهيم :
غالبا ً ما يقع اللبنانيون في سوء تفسير الفرق بين “الميثاقية” و”الشرعية” :
الشرعية: تتعلق بتطابق القرار مع نصوص الدستور والقوانين (موجودة هنا حسب الحكومة).
الميثاقية: تتعلق برضى المكوّنات الوطنية الكبرى وبالتوازن الطائفي (محل جدل في هذه الحالة).
الخلاصة في حالة إقرار أهداف ورقة برّاك:
دستوريًا: القرار سليم وشرعي، لأن النصاب كان مكتملًا ولم يكن القرار من المواضيع التي تحتاج إلى ثلثي الوزراء.
سياسيًا: هناك جدل، و”الثنائي الشيعي” يعتبره إخلالًا بالميثاقية لأنه اتُخذ بغياب مكوّن طائفي كامل، بينما الحكومة ترى أنه ميثاقي طالما أن الوزراء الشيعة لم ينسحبوا من الحكومة نفسها بل من جلسة واحدة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top