
تتزايد النصائح الدولية والعربية في الآونة الأخيرة بضرورة أن يكون قرار حصرية السلاح في لبنان وليد توافق داخلي جامع، قائم على خطة تنفيذية واضحة تنطلق من المصلحة الوطنية العليا، لا نتيجة ضغوط أو إملاءات خارجية. فهذا الإدراك يعكس قناعة بأن أي حلول تُفرض من الخارج سرعان ما تتحوّل إلى عامل تفجير داخلي يهدد الاستقرار الهشّ.
ويكاد ينعقد إجماع ضمني في الداخل على أنّ نجاح أي خطة يقتضي عدم إشعار أي طائفة بأنها مكسورة أو مستهدفة. فقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ شعور أي مكوّن رئيسي بالهزيمة يولّد ردات فعل عنيفة تزعزع السلم الأهلي. من هنا، برزت الحساسية إزاء مقاربة ملف السلاح وكأنه موجه ضد الطائفة الشيعية حصراً، الأمر الذي قد يعيد إنتاج الأزمات المزمنة التي عرفها لبنان منذ الاستقلال.
الخطر الأكبر يتمثل في قابلية إسرائيل لاستغلال الانقسام اللبناني الداخلي حول هذه المسألة. فالتباين داخل الحكومة بشأن خطة حصرية السلاح قد يشكّل الذريعة المثالية لحكومة بنيامين نتنياهو لتبرير أي عدوان جديد، تحت عنوان القضاء على البنية العسكرية لـ”حزب الله”. فالتجارب أظهرت أنّ إسرائيل تستثمر في الانقسامات الداخلية لشرعنة سياساتها العسكرية.
وتزداد المخاوف مع مؤشرات رفض تل أبيب للورقة الأميركية الأخيرة كإطار للحل، وسط تقارير عن نية نتنياهو توسيع الاحتلال في بعض المناطق اللبنانية. الأخطر أنّ السيناريوهات المطروحة لا تقتصر على الجنوب، بل قد تشمل عمليات كوماندوس في البقاع تستهدف مخازن أو مواقع عسكرية، على غرار ما تنفذه إسرائيل في سوريا، بما يعيد إلى الذاكرة عمليات الثمانينات حين لجأت إلى خطف قيادات لبنانية. كذلك، لا يُستبعد أن تسعى إسرائيل إلى تعزيز وجودها في جبل الشيخ تمهيداً لتوغّل أوسع داخل لبنان، ما يفتح الباب أمام احتلال مزدوج في الجنوب والبقاع، ويخلط كل الأوراق السياسية والعسكرية.
أمام هذا الواقع، يتجاوز التحدي مسألة إقرار خطة الجيش ليصل إلى ضرورة صياغة معادلة وطنية متماسكة تحصّن الداخل وتمنع استغلاله من الخارج. فالقرار يجب أن يكون لبنانياً خالصاً مبنياً على شراكة حقيقية بين المكونات كافة، وإلا تحوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وهنا تبرز مسؤولية “حزب الله” في التسليم بأن الدولة ومؤسساتها هي الضامن الوحيد للجميع تحت سقف الدستور والقانون
المصدر: داود رمال ، نداء الوطن
