
بقلم ندى جوني
خرجت الحكومة اللبنانية من جلسة الاستماع إلى خطة قيادة الجيش اللبناني الهادفة إلى وضع قرار حصرية السلاح موضع التنفيذ. وعلى الرغم من انسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” من الجلسة، تأسيساً على موقفهم المعلن برفض القرارات التي اتخذت في جلستي 5 و7 آب، فقد رحّب باقي الوزراء بالخطة التي عرضها الجيش. كما برز موقف الرئيس بري الداعم لقرار الحكومة، تبع ذلك زيارته لقصر بعبدا للقاء الرئيس عون، واستقباله سلام في عين التينة!..
وفي هذا الإطار، أجرى موقع “ديموقراطيا نيوز” مقابلة مع كلّ من الصحافية والباحثة السياسية سوسن مهنا والصحافي جاد الأخوي، للبحث في تداعيات هذه الجلسة على المستويين الأمني والسياسي، وما إذا كانت الخطة تشكّل مدخلاً فعلياً لتكريس سلطة الدولة أو مجرد محاولة جديدة لامتصاص الضغوطات الدولية والداخلية في ملف السلاح.
مهنا: خطة الجيش لحصر السلاح شبه مستحيلة زمنياً… وضغوط أميركية قد تجرّ لبنان إلى تصعيد أمني خطير
تحدثت الصحافية والباحثة السياسية سوسن مهنا عن تداعيات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة المرتبطة بخطة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أنّ “تنفيذ هذه الخطة في المهل الزمنية المطروحة يبدو شبه مستحيل. وأوضحت أنّ المهلة التي حددها الجيش قصيرة للغاية، في حين أنّ الواقع على الأرض معقد، إذ إن ل”حزب الله” مراكز عسكرية منتشرة على امتداد الأراضي اللبنانية، إلى جانب ميليشيات وأحزاب أخرى لا تزال تحتفظ بسلاحها، فضلاً عن السلاح الفلسطيني، وإن كان أقل تطوراً من ترسانة “حزب الله”.
وأضافت مهنا أنّ “الخطة المعروضة من قبل الجيش لم تحدد مهل زمنية واضحة، الأمر الذي يتعارض مع مطلب المجتمع الدولي القاضي بإنجاز نزع السلاح كاملاً بحلول نهاية عام 2025″، معتبرة أنّ” هذا الهدف يفوق قدرات الجيش الحالية”.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أنّ “انسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” من الجلسة لم يكن سوى خطوة إعلامية موجهة للشارع، إذ إن الاستقالات وحدها كانت لتؤدي إلى انهيار الحكومة، فيما الانسحاب اقتصر على حضور الجلسة”.
وتابعت أنّ “رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى ارتياحه حيال الخطة look as mine، معتبراً أنّ الجلسة هدفت إلى امتصاص التوتر في الشارع أكثر من إحداث تغيير فعلي، فيما شعر “حزب الله” بدوره بالاطمئنان لأن الخطة لم تتضمن مهل زمنية تُلزمه بالانسحاب”. ومع ذلك، شدّدت مهنا على أنّ “قرار حصر السلاح بيد الدولة بات قائماً ولا يمكن للحكومة التراجع عنه في ظل الرقابة الدولية والعربية.”
أما بالنسبة إلى الجنوب، فأكدت أنّ “الجيش يعمل بأقصى طاقاته جنوب الليطاني، غير أنّ الأنفاق والأسلحة المنتشرة في مناطق أخرى تجعل المهمة طويلة وشاقة”.
ورأت أنّ “مرحلة النقاش حول “الاستراتيجية الدفاعية” باتت خلفنا، وأن التركيز اليوم أصبح على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة”، مشيرة إلى أنّ اتفاق الطائف وما تبعه من قرارات دولية مثل 1595 و1701 لم يُطبّق حتى الآن، وأن ما يجري حالياً قد لا يعدو كونه بداية لمسار طويل نحو استعادة الدولة سيطرتها الكاملة”.
وفي ما خصّ الضغوط الأميركية، لفتت مهنا إلى “أنّها تضع لبنان في الزاوية رغم معرفتها بإمكانات الجيش المحدودة”، مؤكدة أنّ “الجيش هو المؤسسة الوحيدة المتبقية في دولة منهكة ومفلسة”. واعتبرت أنّ “الضغط على الجيش في مواجهة “حزب الل”ه من دون تزويده بالعتاد والتقنيات اللازمة سيدفع البلاد حتماً نحو حرب أهلية، نظراً لأن الحزب ما زال يمتلك السلاح والبيئة الحاضنة”.
وختمت مهنا محذرة من أنّ “تعثر الخطة قد يفتح الباب أمام إسرائيل لتتولى بنفسها عملية نزع السلاح، كما حصل سابقاً في البقاع”، مشيرة إلى أنّ “زيارة الموفدة الأميركية مورغن أورتاغوس التي اقتصرت على لقاءات أمنية وعسكرية من دون أي بعد سياسي، تعكس أنّ المرحلة الدبلوماسية قد انتهت مع زيارة باراك، وأن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة تصعيد أمني خطيرة قد تتجلى بغارات أوسع وأكثر خطورة في الفترة المقبلة”.
الأخوي: خطة حصر السلاح…ثلاثة سيناريوهات لمستقبل لبنان
اعتبر الصحافي جاد الأخوي أنّ “أي خطة لحصر السلاح بيد الدولة والجيش تمثل مطلباً سيادياً ووطنياً بامتياز، غير أنّ تنفيذها يصطدم اليوم بعقبتين أساسيتين: أولاً استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي تُستخدم ذريعة لبقاء السلاح خارج سلطة الدولة، وثانياً الانقسام الداخلي الحاد الذي يحول دون التوصل إلى توافق حول هذه الخطوة”.
ورأى أنّ “الحل لا يكون عبر قرارات صدامية، بل بخطوات مرحلية تعزز دور الجيش وتوحد القرار العسكري تحت سلطته، إلى أن ينضج توافق داخلي وتتوفر ضمانات خارجية توقف الاعتداءات وتؤمن للبنان شبكة أمان. من دون ذلك، تبقى الخطة هدفاً صائباً لكنه صعب التحقيق في المدى القريب.
وفي قراءته لانسحاب وزراء “حزب الله” و”حركة أمل” من جلسة الحكومة، أوضح الأخوي أنّ “الخطوة حملت أكثر من رسالة: فهي تؤكد رفض أي نقاش جدي بخطة الجيش، وتوجّه إنذاراً بأن ملف السلاح خط أحمر لا يُبحث خارج قرار الحزبين. وأضاف أنّ الرسالة موجهة للداخل لربط بقاء الحكومة بعدم المسّ بدور المقاومة، وللخارج بأن ميزان القوى لم يتغيّر. واعتبر أنّ هذا الانعكاس خطير على وحدة السلطة التنفيذية، إذ يُظهر أنّ مجلس الوزراء ليس مرجعية حاسمة بل ساحة محكومة بفيتو ثنائي، ما يضعف صورة الدولة ويعمّق الانقسام داخلها”.
وأشار إلى أنّ “التباين حول هذه القضية يعكس جوهر الانقسام اللبناني منذ “اتفاق الطائف”: فبينما يرى فريق أنّ الخطة فرصة لتكريس سلطة الدولة وتنفيذ ما نصّ عليه الطائف بشأن حصرية السلاح، يتمسك الفريق الآخر باستراتيجية دفاع وطني تضمن دوراً دائماً للمقاومة. ورأى أنّ الخلاف لا يدور حول مبدأ حماية لبنان، بل حول من يمتلك القرار العسكري النهائي: الدولة بمؤسساتها أم المقاومة بارتباطاتها الإقليمية، وهو ما يجعل النقاش يتجاوز الشق التقني ليصل إلى صراع على هوية السلطة في لبنان”.
وفي ما خصّ الضغوط الأميركية، لفت الأخوي إلى أنّ” تهديد واشنطن بوقف الدعم المالي والعسكري يشكل ورقة ضغط جدية على الدولة اللبنانية، إلا أنّ فعاليتها محدودة، لأن “حزب الله” لا يتأثر مباشرة بهذا النوع من العقوبات، فيما تخشى الدولة الانهيار إذا فقدت هذا الدعم”.
ورأى أنّ “هذه الضغوط قد تدفع الحكومة إلى إظهار التزام شكلي بالخطة، لكن من دون قدرة على التنفيذ الفعلي طالما أنّ الانقسام الداخلي قائم وأن ملف السلاح مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع”.
وأضاف أنّ” الجيش اللبناني هو المستفيد الأكبر من الدعم الأميركي، ما يجعل وقف المساعدات ينعكس مباشرة على قدراته العملانية”، معتبرًا أنّ “واشنطن تستخدم هذه الورقة للضغط باتجاه نزع السلاح، لكن إضعاف الجيش يهدد استقرار البلد، ما يجعل الضغوط سلاحاً ذا حدين: قد تسرّع النقاش حول حصرية السلاح، لكنها قد تضعف المؤسسة العسكرية الجامعة إذا تمادى الضغط. وبالتالي، يظل تأثير هذه الضغوط رهناً بمدى قدرة اللبنانيين على التوصل إلى توافق داخلي يحمي الجيش ويمنع تحويله إلى ورقة ابتزاز”.
وفي رسمه لسيناريوهات المرحلة المقبلة، طرح الأخوي ثلاثة احتمالات:
• السيناريو التفاؤلي: بقاء الخطة كإطار نقاش وطني مع خطوات مرحلية لتعزيز دور الجيش وتنظيم العلاقة مع المقاومة، بما يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
• السيناريو التشاؤمي: فشل كامل يقود إلى شلل حكومي دائم، انهيار الثقة الدولية، واحتمال مواجهات مع إسرائيل أو توترات داخلية بسبب فائض السلاح والانقسام.
• السيناريو الوسطي: وهو الأرجح، حيث تتراجع الخطة من دون أن تُلغى، ويستمر الجمود مع بقاء الجيش يؤدي دوره بقدرات محدودة، فيما ينتظر لبنان متغيرات إقليمية أو تفاهمات دولية تعيد إحياء الملف.
وختم الأخوي مؤكداً أنّ “فشل الخطة لا يعني نهاية النقاش حول السلاح، بل دخول لبنان مرحلة مراوحة قد تطول، تتأرجح بين استقرار هش وانزلاق إلى توترات أكبر تبعاً للظروف”.
