لبنان في مرحلة “ما بعد حزب الله” العسكري: بين تعهدات بحصرية السلاح وتحديات الانتقال إلى دولة السيادة

في الذكرى الثانية لانخراط “حزب الله” في معركة “إسناد ودعم غزة” في 8 تشرين الأول 2023، يختبر لبنان مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«ما بعد حزب الله العسكري»، وسط تعهدات داخلية بتنفيذ مبدأ حصرية السلاح ومطالب محلية ودولية بأن تكون قرارات السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية وحدها.

منذ ذلك التاريخ، تحوّل جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة شبه يومية بين الحزب وإسرائيل، ظلت في بداياتها ضمن حدود معينة قبل أن تتصاعد تدريجياً، ما تسبب بنزوح آلاف السكان من القرى الحدودية وبانعكاسات اقتصادية واسعة على البلاد، إلى أن اندلعت المواجهات الكبرى في أيلول 2024، وانتهت في تشرين الثاني بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

ويرى أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، الدكتور محيي الدين الشحيمي، في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط، أن “حزب الله وفريق الممانعة اتخذا قرار الحرب في 8 تشرين الأول 2023 من دون أي تشاور مع الدولة اللبنانية، وهو ما أدخل لبنان في دوامة من الأزمات والويلات على المستويين السياسي والاقتصادي، وانعكس بخسارة واضحة للحزب ومحوره في لبنان وسوريا وإيران واليمن”.

ويشير الشحيمي إلى أن الاتفاق الذي أوقف الحرب “لم يُنهِ فعلياً الضربات الجوية الإسرائيلية والاغتيالات المتكررة”، لافتاً إلى أن “لبنان نفذ التزاماته، بينما تواصل إسرائيل خرق الاتفاق، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لتطبيق مبدأ حصرية السلاح الذي تتعهّد به الدولة اللبنانية”.

من جهته، يعتبر المعارض الشيعي جاد الأخوي أن “الانتقال إلى مرحلة إنهاء الوجود العسكري لحزب الله ليس سهلاً ولا سريعاً، لأن السلاح متداخل مع السياسة والاقتصاد والهوية الطائفية”، مشيراً إلى أن “تفكيك هذه المنظومة يتطلب مساراً طويلاً من الضغوط الداخلية والخارجية، إضافة إلى بدائل سياسية وأمنية تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها”.

ويضيف الأخوي: “يمكن القول إنّ (ما بعد الحزب العسكري) بدأ يتشكل فكرياً ونقاشاً، لكنّ ترجمته على أرض الواقع ستحتاج إلى مساومات داخلية وإقليمية وربما محطات صدام قبل الوصول إلى دولة طبيعية”.

وفي معرض حديثه عن تداعيات قبول حركة “حماس” بخطة ترمب، يرى الأخوي أنّ “تخلي حماس عن السلاح والانخراط في مسار سياسي قد يشكل ضغطاً على حزب الله، إذ يفقد السلاح خارج الدولة شرعيته، وقد يضع الحزب أمام حرج داخلي متزايد. لكن في المقابل، قد يستخدم الحزب هذه التطورات لتبرير تمسكه بسلاحه، معتبراً أن سقوط حماس دليل على ضرورة الحفاظ على قوته لحماية لبنان”.

أما الشحيمي، فيعتبر أن “لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة منذ اليوم التالي لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، يمكن تسميتها بمرحلة (لبنان ما بعد حزب الله)، أي ما بعد وجود ميليشيا مسلحة خارج سلطة الدولة”.

ويؤكد أن “المخاض الحالي يعكس صعوبة تحوّل حزب الله إلى حزب سياسي صرف، إذ ما زال يحتفظ ببنية عسكرية وأمنية متكاملة. ومع ذلك، فإن تصديق حكومة نجيب ميقاتي على الاتفاق جعل لبنان أكثر التزاماً بتنفيذ القرارات الدولية، ويفرض عليه انتهاج دبلوماسية فاعلة تستعيد الثقة بالدولة وتمنحها قدرة أكبر على الضغط على إسرائيل”.

ويختم الشحيمي بالقول إن “لبنان اليوم يقف على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن يحسن إدارة مرحلة ما بعد حزب الله العسكري ليبدأ مسار التعافي والسيادة، وإما أن يغرق في أزمات جديدة، خصوصاً مع انحسار نفوذ القوى الموازية للدولة في المنطقة وتراجع حركات اللادولة ضمن محور الممانعة”.

المصدر: بولا اسطيح – صحيفة الشرق الأوسط

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top