
تبرز أهمية موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون في دعوته إلى التفاوض مع إسرائيل، وإعلانه أن «لغة التفاوض أهم من لغة الحرب»، في كسره للمحرمات التي فرضها حزب الله على مدى عقود، ورفعه يده عن ملف يعتبره الحزب من اختصاصه الحصري. بعد خسارته العسكرية في الجنوب اللبناني وخروج ما يسمى «المقاومة» من جنوب نهر الليطاني، شعر الحزب أن ورقة التفاوض بدأت تفلت من قبضته، وهو ما يفسر كتابه الأخير الموجّه إلى الرؤساء الثلاثة بعنوان: «الأمر لي».
وأدرك حزب الله أن خسارته العسكرية ستقود إلى فقدان سيطرته على العلاقة مع إسرائيل، التي ورثها عن حافظ الأسد وربطت بين المسارين اللبناني والسوري. ومع خروج الأسد من لبنان، تحولت الورقة إلى نفوذ إيراني، عززت من حضور طهران ودورها، ولا سيما في التفاوض على ترسيم الحدود البحرية.
لكن الحزب لم يستوعب أن أي خسارة عسكرية تترتب عليها خسائر سياسية، وأنه ليس بيده التحكم بالتنازلات التي تقدمها الدولة. فبعد انتخاب الرئيس عون، فوجئ الحزب بالخطاب الرئاسي، وبتوازنات الحكومة، وبالبيان الوزاري، وقرار الخامس من آب بشأن نزع سلاحه. وفي كتابه الأخير، وضع الحزب ثلاثة خطوط حمر: لا لتسليم السلاح، لا للتخلي عن ما يسمى «المقاومة»، ولا للتفاوض مع إسرائيل.
رغم تأخر الدولة في اتخاذ خطوات فعلية لنزع سلاح الحزب، بادرت إلى الدعوة للتفاوض، إلا أن هذه الخطوة بقيت ناقصة وفضفاضة، لأنها لم تحدد طبيعة التفاوض، هل سيكون مباشراً أم غير مباشر؟ وما سقفه: هدنة أم سلام؟ وعليه، تعاملت الأطراف الداخلية والخارجية مع خطوة التفاوض على أنها شكلية، وربما تمّت بالتواطؤ مع الحزب لشراء الوقت وتجنب مواجهة حتمية.
وتطرح أسئلة جوهرية: أيهما أولى: نزع السلاح أم التفاوض؟ وما قيمة مفاوضات لدولة لا تحتكر السلاح ولا تسيطر على أرضها؟ الأولوية القصوى هي قيام دولة فعلية تحتكر السلاح وتبسط سيطرتها على أراضيها، إذ أن القوى غير الشرعية أسقطت الاتفاقيات السابقة، من الهُدنة واتفاق 17 أيار إلى قرار 1701.
لمن يريد التفاوض فعلياً، يجب الرد على كتاب حزب الله برفض تمسكه بالسلاح والمقاومة، والدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بمعزل عن الميكانيزم، وإشراك مدنيين وعسكريين من الدولة، وإلا سيُفسّر التفاوض على أنه شكلية أو تواطؤ مع الحزب.
إن الأولوية لقيام دولة فعلية، تسيطر على أراضيها وتحتكر السلاح، لتطبيق أي اتفاق مع إسرائيل سواء هدنة أو سلام، ومنع تحول لبنان إلى منصة نفوذ إيراني. وفي حال استمرار السلطة بالتردد، فإن المطلوب رفع ثلاث نعم في مواجهة ثلاثة لاء من الحزب: نعم للتفاوض المباشر مع إسرائيل، نعم لنزع سلاح حزب الله، ونعم لاستبدال السردية الممانعة بسردية تؤكد أن أي مواجهة مع إسرائيل لم تكن قرار الدولة اللبنانية.
المصدر: شارل جبور، جريدة نداء الوطن
