
لم يكن توقيف أبرز المطلوبين للدولة اللبنانية بجرم الاتجار بالمخدرات وإطلاق النار، نوح زعيتر، مجرد عملية أمنية ناجحة، بل تتويجًا لمسار ملاحقة امتدّ على مدى ثلاث سنوات تغيّرت خلالها موازين القوى على جانبي الحدود اللبنانية – السورية.
فالمطلوب الذي عرفه البقاع بلقب “الإمبراطور”، عاش أطول فترات التخفي متنقلاً بين الجرود والحدود، إلى أن انهارت تدريجياً شبكته الداخلية وامتداداته السورية، وصولاً إلى اللحظة التي فقد فيها كل خطوط الحماية دفعة واحدة.
2022… بداية الخنق الأمني
بدأ التضييق الحقيقي عام 2022، مع عمليات الجيش اللبناني في بعلبك التي أسقطت الغطاء الأهلي والعشائري عن المروجين والمطلوبين. وجُرفت مضافات كانت تُستخدم لترويج المخدرات، من بينها مضاف تابع لزعيتر.
وفي موازاة ذلك، نُفذت مداهمات في حي الشراونة وجرود الكنيسة، مسقط رأسه، بعد تصاعد المواجهات المسلحة. وأسفرت العمليات عن توقيف نجليه مهدي وعلي في عمليتين منفصلتين، ما شكل رسالة واضحة بأن القبضة الأمنية بدأت تقترب من الدائرة الضيقة حوله.
2023… العقوبات الأميركية
كان عام 2023 نقطة تحول بارزة، مع فرض عقوبات أميركية على زعيتر بتهمة الاتجار الدولي بالمخدرات وتهريب الكبتاغون.
هذه الخطوة وضعت اسمه في إطار دولي وربطته بشبكات تهريب عابرة للحدود، ما دفع مقربين منه إلى الفرار أو الانسحاب خوفاً من الملاحقة. وبدأت شبكته تفقد عناصرها الأساسيين تدريجياً.
انهيار الامتداد السوري
بحسب مصادر محلية في البقاع، كان زعيتر يعتمد على الامتداد السوري لتأمين حركته وعملياته عبر علاقات مع ضباط من “الفرقة الرابعة”، ما أتاح له النفوذ في ريف القصير.
لكن مع تغيّر موازين القوى داخل سوريا، صودرت ممتلكاته وأُقفلت الممرات الحدودية التي كانت شريان نشاطه الأساسي، فانهارت نصف قوته بمجرد فقدان الغطاء السوري.
مقتل “أبو سلة” ولحظة الانهيار
في 6 آب 2025، نفذ الجيش اللبناني عملية نوعية في حي الشراونة أسفرت عن مقتل علي منذر زعيتر المعروف بـ”أبو سلة”، وهو أحد أبرز عناصر الحماية المقربين من نوح زعيتر.
كان ذلك الحدث بمثابة الضربة القاضية التي أسقطت آخر خطوط الدفاع حول “الإمبراطور”، لتبدأ بعدها مرحلة العد التنازلي لتوقيفه.
الكمين الأخير ونهاية اللعبة
حين أطبقت قوة من الجيش اللبناني عليه، لم يُبدِ زعيتر أي مقاومة، في مشهد عكس حجم الانهيار الكامل لشبكته الأمنية.
وبحسب مصدر أمني، “كان الرجل في طريق مسدود، فقد رجاله وممراته، ولم يعد أمامه سوى الاستسلام أو السقوط”.
وهكذا، شكّل توقيف نوح زعيتر نهاية مرحلة كاملة من اقتصاد التهريب في البقاع، بعدما تلاشت الحماية السياسية والأمنية التي وفّرت الغطاء لشبكات المخدرات لسنوات.
لقد انتهت اللعبة، وسقط آخر رموزها الذين اعتادوا التحرك بين الجرود بلا خوف.
المصدر: الشرق الأوسط
