
بقلم ندى جوني
أثار القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يقضي بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب الجدل في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيّما في كلّ من مصر، لبنان، والأردن دون أن يشمل التنظيم الدولي بمختلف امتداداته.
في الواقع، يعكس هذا التصنيف توجّهاً أميركياً لزيادة الضغط على الحركات الإسلامية ذات الطابع السياسي أو العسكري، خصوصاً تلك التي تقوم بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لحركات مقاومة أو تنظيمات مصنَّفة إرهابية من قبل واشنطن.
ضمن الإطار نفسه، برز اسم “قوات الفجر” في لبنان، وهي الجناح العسكري التابع للجماعة الإسلامية، التي أعادت نشاطها مؤخراً، عبر مشاركتها إلى جانب “حزب الله” في تنفيذ عمليات صاروخية ضد مواقع إسرائيلية، خلال “حرب الإسناد” .
إذاً، كيف ستكون تبعات هذا القرار في ظلّ التوترات التي تشهدها المنطقة ولا سيّما لبنان الذي ما زال يتعرّض للخروقات الإسرائيلية على الرغم من اعلان اتفاق وقف اطلاق النار يوم 27 تشرين الثاني من العام الماضي؟
ماذا تشكّل قوات الفجر بالنسبة للإخوان المسلمين في لبنان؟
تشكل قوات الفجر، الجناح العسكري للجماعة الإسلامية في لبنان، وقد برزت تاريخياً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي منذ ثمانينيات القرن الماضي قبل أن يتراجع نشاطها لفترة طويلة. إلا أن اسمها عاد بقوة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع اندلاع حرب الإسناد بعد عملية طوفان الأقصى، حيث أعلنت الجماعة إعادة تفعيل قوات الفجر وفتحت باب التطوع، ثم تبنّت إطلاق صواريخ باتجاه مواقع إسرائيلية، في ما اعتُبر مشاركة ميدانية مباشرة إلى جانب “حزب الله”.
وضع هذا الظهور العسكري لفصيل محسوب على الإخوان المسلمين الجماعة في موقع جديد أمام الولايات المتحدة، خصوصاً أن قرار إدارة ترامب بتوسيع لوائح الإرهاب ليشمل بعض فروع الإخوان في دول معينة جاء في لحظة إقليمية مشحونة. وفي الحالة اللبنانية، شكّلت قوات الفجر مثالاً على الأجنحة التي تحوّلت من نشاط اجتماعي وسياسي إلى دور عسكري، ما جعلها جزءاً من السياق الذي استندت إليه واشنطن لتبرير ربط بعض فصائل الإخوان بالعمل المسلح داخل ساحات التوتر في الشرق الأوسط.
ما هي دوافع القرار الأميركي الرسمية؟
برّرت الإدارة الأميركية قرارها بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين ضمن اللوائح الإرهابية بمجموعة من الدوافع التي وصفتها بـ”الأمنية”. فقد أكدت واشنطن أن هذه الفروع تغذّي الفكر المتطرّف وتعمل على تسهيل أو دعم أعمال عنف تهدّد الاستقرار الإقليمي. كما اتهمت عدداً من هذه المجموعات بتقديم دعم لوجستي أو مادي لحركة حماس أو المساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في الهجمات التي تستهدف إسرائيل. واعتبرت الإدارة الأميركية أن بعض الأنشطة المرتبطة بها تشكّل عنصراً مقلقاً في المشهد الأمني للشرق الأوسط، وأن استمرار عمل هذه الفروع يعرقل محاولات واشنطن “تعزيز الأمن” مع حلفائها في المنطقة. وفتح هذا التصنيف الباب أمام عقوبات واسعة تشمل تجميد الأصول المالية، ومنع دخول أفراد مرتبطين بهذه الفروع إلى الولايات المتحدة، وتقييد أي معاملات يمكن أن تُفسَّر كدعم أو تمويل لها.
المملكة العربية السعودية وعلاقتها بالقرار الأميركي
يمكن النظر إلى قرار تصنيف بعض فروع الإخوان المسلمين ضمن لوائح الإرهاب ليس فقط من منظور أمني أميركي، بل أيضاً ضمن سياق العلاقة المتوترة بين السعودية والمنظمة الإسلامية. إذ تعتبر الرياض الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلة خصماً أيديولوجياً وسياسياً، وترى في نفوذهم الإقليمي تهديداً لمشروعها السياسي والإصلاحات الداخلية والخارجية.
ضمن الإطار نفسه، أعادت زيارة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى واشنطن تأكيد دور السعودية كشريك أساسي لإدارة ترامب في ضبط الخريطة السياسية الإقليمية. ومن هذا المنطلق، توفر العقوبات الأميركية على فروع الإخوان، لا سيما في دول مثل لبنان والأردن ومصر، نوعاً من الغطاء السياسي والشرعية الدولية للسعودية لتضييق النفوذ الإخواني في المنطقة. فالعقوبات لا تقتصر على تجميد الأصول أو منع دخول الأعضاء، بل تمثل رسالة واضحة إلى الجماعة بأن أي دور سياسي أو مسلح خارج الإطار الذي تقبله الرياض وحلفاؤها الإقليميون قد يعرّضهم لعقوبات مباشرة أو غير مباشرة.
ما هي تداعيات قرار ترامب على الجماعة الإسلامية في لبنان أمنياً وسياسيًا؟
يمكن النظر إلى الجماعة الإسلامية في لبنان على أنها كيان متعدد الأبعاد، إذ لا يقتصر وجودها على الجناح العسكري المتمثل بـ“قوات الفجر”، بل يمتد إلى الحياة السياسية والاجتماعية. فهي مسجّلة رسمياً لدى وزارة الداخلية، وتمثل قاعدة شعبية في المناطق السنية، ولها حضور نيابي وبلدي ملموس، مما يجعلها فاعلاً معترفاً به داخل المؤسسات اللبنانية. من هذا المنظور، يصبح أي تصنيف أميركي لفروعها المسلحة ليس مجرد إجراء أمني، بل استهدافاً جزئياً قد يمتد أثره إلى النشاط المدني والسياسي للجماعة. مما يعني أن تصنيف قوات الفجر ضمن لوائح الإرهاب يخلق توتراً مزدوجاً من جهة، يضع العقوبات ضغطاً مباشراً على النشاط العسكري، ومن جهة أخرى، يثير مخاطر سياسية داخلياً، خصوصاً فيما يتعلق بمقاعد الجماعة في البرلمان والمجالس البلدية، وقدرتها على الاستمرار في نشاطها الاجتماعي والتعليمي. كما أن استمرار الخروقات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية يعكس حدود فعالية العقوبات الدولية في ضبط النشاط المسلح، ويؤكد أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لاحتواء الوضع، بل تتطلب مقاربة سياسية متكاملة تأخذ في الاعتبار الشرعية الشعبية والوجود المدني للجماعة.
