لبنان 2025: منعطف حاسم بين التحولات السياسية، الأمنية،والإقتصادية، ومسار إعادة بناء الدولة في ظلّ المتغيرات الإقليمية

بقلم ندى جوني

شهد لبنان تحوّلات جذرية طالت المستويات جميعها، بما عكس عمق التغيّرات الإقليمية والدولية التي أثرت على مسار الدولة . فقد مهّدت العملية العسكرية التي شنّتها إسرائيل على حزب الله في أيلول 2024 وما تلاها من عملية ردع العدوان التي قادتها المعارضة السورية المسلّحة والتي أسقطت نظام الأسد يوم 8 كانون الأول 2024، إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية. وفي هذا السياق، بدأ يدخل لبنان مرحلة إعادة بناء الدولة، خاصة بعد ما تراجع نفوذ حزب الله في السياسة الداخلية. إذاً، يمكن النظر إلى عام 2025 كعام مفصليّ لم يشهده لبنان منذ أكثر من 20 عاماً. لذلك، سيتناول هذا التقرير تقديم عرض شامل لأهم الأحداث والتطورات التي شهدها لبنان خلال هذا العام، مع التركيز على السياقات السياسية، الأمنية، والإقتصادية التي شكّبت ملامح المرحلة الراهنة.

أولاً: الأحداث السياسية

  1. انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية: مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في تشرين الأول 2022، دخل لبنان مرحلة الفراغ الرئاسي الذي استمرّ أكثر من عامين. إلاّ أنه يوم 9 كانون الثاني 2025، تمّ انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية. خلال خطاب القسم، تعهّد عون بأن تكون قانونية الدولة وسيادتها محطّ تركيز رئيسي خلال ولايته، مؤكداً أيضاً على ضرورة تغيير الأداء السياسي ومكافحة الفساد وبسط سيادة الدولة على مختلف المناطق اللبنانية.
  2. تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة: تمّت تسمية نواف سلام رئيساً للحكومة اللبنانية بعد استشارات أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون، حتى أصدر قرار في 8 شباط مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة رسمياً مؤلفة من 24 وزيراً، لتبدأ مرحلة جديدة من إدراة شؤون البلاد بعد فترة من الشغور الحكومي الطويل.
  3. الرئيس سعد الحريري يعلن عودته للحياة السياسية: في الذكرى العشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري يوم 14 شباط، ألقى الشيخ سعد الحريري كلمة في ساحة الشهداء، حيث أعلن فيها بأن تيار المستقبل كان وما يزال حاضراً، مؤكداً على تيار المستقبل سيبقى صوت الناس في كل المحطات والإنتخابات القادمة. كما اكد دعمه للعهد الجديد والحكومة واصفاً بأن المرحلة الراهنة هي فرصة ذهبية لأن ينهض من جديد. كما اعتبر أن سقوط نظام الأسد بأنه نهاية عهد كامل من القمع والظلم الذي دمّر سوريا وخنق لبنان.
  4. زيارة الرئيس جوزاف عون إلى السعودية: قام رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون باول زيارة رسمية له خارج البلاد منذ انتخابه، متوجهاً إلى المملكة العربية السعودية، في 4 آذار 2025، ،حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية واستعادة التعاون في المجالات السياسية والإقتصادية بعد سنوات من التوتر والإنقطاع. اعتبرت هذه الزيارة علامة فارقة في جهود إعادة تموضع لبنان على الخريطة الإقليمية والدولية.
  5. إجراء الإنتخابات البلدية بعد سنوات من التأجيل: شكّلت الإنتخابات البلدية والإختيارية خلال شهر ايار 2025، محطة سياسية بارزة بعد استلام العهد الجديد، والتي أجريت للمرة الأولى منذ عام 2016 بعد سنوات من التأجيل. مثّل هذا الإستحقاق اختباراً جديداً للقوى السياسية.
  6. اتخاذ قرار بنزع سلاح المخيمات الفلسطينية: اتفق كلّ من الرئيس اللبناني جوزاف عون ونظيره الفلسطيني محمود عباس، بعد اللقاء يوم 21 أيار 2025 على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة أوضاع المخيمات الفلسطينية، مؤكدين الإلتزام الكامل بميدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وإنهاء أي مظاهر مسلحة خارجة عن منطق الدولة.
  7. زيارة الرئيس جوزاف عون إلى بغداد: قام الرئيس اللبناني جوزاف عون بزيارة رسمية إلى بغداد في الأول من شهر حزيران 2025، في خطوة هدفت إلى تعزيز العلاقات اللبنانية والعراقية وفتح آفاق تعاون سياسي واقتصادي وأمني بين البلدين. وشملت الزيارة لقاءات مع كبار المسؤولين العراقيين، جرى خلالها البحث في دعم استقرار لبنان، وتوسيع التعاون الثنائي، ومناقشة التطورات الإقليمية، في ظل مرحلة دقيقة تمرّ بها المنطقة. تُعدّ الزيارة محطة دبلوماسية بارزة في مسار إعادة تفعيل الحضور اللبناني عربياً.
  8. اطلاق سراح المعتقل جورج عبدالله: أصدرت محكمة الاستئناف في باريس قراراً بالإفراج عن المناضل اللبناني جورج إبراهيم عبد الله يوم 25 تموز 2025، بعد أكثر من أربعة عقود من السجن في فرنسا، حيث كان محكومًا بالسجن مدى الحياة منذ ثمانينيات القرن الماضي بتهم تتعلق باغتيال دبلوماسيين أميركي وإسرائيلي. وجاء القرار بشرط مغادرته الأراضي الفرنسية وعدم العودة إليها، لتنتهي بذلك واحدة من أطول فترات الاحتجاز السياسي في أوروبا ويصل عبد الله إلى بيروت.
  9. توترات بين السلطة اللبنانية وأنصار حزب الله على خلفية إضاءة صخرة الروشة: أثارت إضاءة صخرة الروشة بصور الأمين لحزب الله السابق السيد حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين جدلاً واسعاً في لبنان، إذ اعتبرها البعض استفزازاً وتسييساً لمعلمة وطنية، بينما رأى آخرون فيها وفاءً وتكريماً للقياديين المغتالين. أدى الحدث إلى انقسام سياسي واجتماعي واضح، مع تدخل الحكومة وإصدار رئيس الوزراء نواف سلام تعميمًا بمنع استخدام الأملاك العامة دون تراخيص، وسط تدابير أمنية مشددة.
  10. زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان: في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، زار بابا الفاتيكان ليـو الرابع عشر لبنان بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، في رحلة رسمية شملت لقاءات مع كبار المسؤولين، قادة دينيين، والمجتمع المدني. ركزت الزيارة على السلام والوحدة والمصالحة الوطنية، وشملت صلوات في دير مار شربل وزيارة موقع انفجار مرفأ بيروت. واختتمت بقداس كبير على الواجهة البحرية في بيروت حضره عشرات الآلاف، حاملة رسالة دعم للمجتمع اللبناني ودعوة لتعزيز التعددية والتعايش في البلاد.
  11. لبنان وإسرائيل يعقدان أول مفاوضات مدنية مباشرة منذ عقود: في خطوة هي الأولى منذ عقود، عقد لبنان وإسرائيل مفاوضات مدنية مباشرة في الناقورة تحت رعاية أميركية. هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستعادة الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها إسرائيل دون اتفاق تطبيع. وصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام المفاوضات بأنها “فوق عسكرية” وتحظى بمظلة سياسية محصنة، بينما اعتبرت إسرائيل المسار اقتصادياً مع الحفاظ على هدف نزع سلاح حزب الله. تأتي الخطوة ضمن ضغوط أميركية لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

ثانياً: الأحداث الأمنية

  1. مواجهات بين الجيش اللبناني وحزب الله: حصلت مواجهات في شباط 2025 بين الجيش اللبناني ومناصري حزب الله في محيط مطار رفيق الحريري الدولي احتجاجاً على قرار السلطات اللبنانية منع هبوط طائرة إيرانية كانت متجهة لبيروت. وأدت الاحتجاجات إلى توترات أمنية استمرّت لأيام وقطع طرقات قبل أن يتدخل الجيش لفرض الأمن وفتح الطرق.
  2. تشييع الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله: يوم 23 شباط 2025، شيّع آلاف اللبنانيين وأنصار حزب الله جثمان الأمين العام السابق حسن نصرالله في المدينة الرياضية في بيروت، الذي قضى في هجوم جوي اسرائيلي يوم 27 أيلول 2024، إلى جانب خليفته هاشم صفيّ الدين الذي قتل في استهداف لاحق.
  3. قصف الضاحية للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب: في أول تصعيد عسكري في الضاحية الجنوبية لعام 2025، شنّت إسرائيل غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد إطلاق صاروخين من لبنان نحو إسرائيل. استهدفت الغارة بنية تحتية لحزب الله لتخزين الطائرات المسيرة، ما أدى إلى دوي الانفجارات وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان، وسط متابعة واسعة من وسائل الإعلام المحلية والدولية.
  4. تواصل الخروقات الإسرائيلية: شهد عام 2025 استمرار الخروقات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية، شملت تحليقًا مكثفًا للطائرات الحربية والمسيّرات، غارات جوية على قرى جنوبية، إطلاق نار على دوريات اليونيفيل، وتفجير منازل مدنية. وقد سجلت الأمم المتحدة آلاف الانتهاكات خلال العام، بما يعكس تصاعد التوتر على الحدود وتهديد الأمن والاستقرار المحلي، رغم اتفاق وقف إطلاق النار وقرارات مجلس الأمن.
  5. اسرائيل تقصف الضاحية الجنوبية عشية عيد الأضحى: استهدفت اسرائيل عشية عيد الأضحى/ 5 حزيران 2025 عدداً من المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت. دان الرئيس اللبناني جوزاف عون، رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري العدوان، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل لردع اسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها.
  6. القضاء على ” أبو سلّة ” بعد سنوات من الملاحقة: نفّذ الجيش اللبناني عملية أمنية نوعية في منطقة الشراونة في بعلبك في 6 آب 2025، أسفرت عن مقتل علي منذر زعيتر المعروف ب” أبو سلّة “، والذي يعتبر من أبرز المطلوبين في تجارة المخدرات. أتت العملية في إطار جهود ضبط أمن البقاع والقضاء على شبكات الإتجار.
  7. الحكومة اللبنانية تعلن بدء خطة نزع سلاح حزب الله: يوم 5 أيلول 2025، أعلنت الحكومة اللبنانية أن الجيش سيباشر تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله وفق إمكاناته المحدودة، مع الحفاظ على تفاصيل الخطة سرية، في خطوة وصفتها السلطات بأنها تطبيق قرار بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد الجهات الشرعية. وجاء الإعلان بعد جلسة مجلس وزراء شهدت انسحاب الوزراء الشيعة الخمسة، بينهم أربعة محسوبون على حزب الله وحركة أمل، احتجاجًا على الخطة التي تواجه رفضًا كاملًا من الحزب.
  8. غارة اسرائيلية على مخيم عين الحلوة في صيدا: استهدف الجيش الإسرائيلي في 18 تشرين الثاني 2025 مخيم عين الحلوة بغارة، راح ضحيتها 13 شخصاً وإصابة العشرات فيما أكدت إسرائيل استهدافها لمسلحين من حركة حماس داخل المخيم، بينما نفت الحركة والفصائل الفلسطينية وجود أي منشآت عسكرية في المكان، معتبرة الغارة اعتداءً وحشياً على المدنيين ومساساً بالسيادة اللبنانية.
  9. القبض على نوح زعيتر: أعلن الجيش اللبناني يوم 20 تشرين الثاني2025، القبض على تاجر المخدرات نوح زعيتر، المتورّط في قضايا تهريب المخدرات والكبتاغون، عبر كمين كمين نفذته مخابرات الجيش في منطقة بعلبك – البقاع الشرقية، في عملية اعتبرت خطوة كبيرة ومهمة في تقليص نفوذ ما هو غير قانوني.
  10. اغتيال الرجل الثاني في حزب الله هيثم علي الطبطبائي: استهدفت مسيّرة اسرائيلية يوم 23 تشرين الثاني 2025 شقّة سكنية في منطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية، أدّت إلى اغتيال القيادي البارز في حزب الله هيثم علي الطبطبائي ( أبو علي الطبطبائي)، والتي أتت ضمن موجة الخروقات الإسرائيلية المستمرة منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.

ثالثاً: الأحداث الإقتصادية

  1. تقدّم في ملف النازحين السوريين: شهد عام 2025 تقدّماً ملموساً في ملف عودة النازحين السوريين من لبنان، حيث عاد أكثر من 378 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم ضمن المرحلة الثانية عشرة من برنامج العودة الآمنة والمنظمة، وفق بيانات الأمم المتحدة. وقد شملت خطة العودة إعفاءات قانونية ودعمًا لوجستيًا لتسهيل العودة الطوعية.
  2. هبوط طائرة إماراتية في بيروت للمرة الأولى بعد سنوات من الإنقطاع: يوم 7 أيار 2025 حطّت أول طائرة تابعة لطيران الإمارات في مطار رفيق الحريري الدولي إيذانًا باستئناف الرحلات الجوية بين بيروت ودبي بعد فترة من التعليق. وشكّل هذا الهبوط محطة رمزية واقتصادية مهمة عكست عودة تدريجية للثقة الدولية بالأمن الجوي اللبناني، ومهّد لإعادة تنشيط حركة السفر والسياحة وربط لبنان مجددًا بشبكة النقل الجوي الإقليمي والدولي.
  3. إقرار قانون إصلاح القطاع المصرفي: في 31 تموز 2025، أقرّ البرلمان اللبناني قانون إصلاح القطاع المصرفي، بهدف إعادة هيكلة المصارف وحماية المودعين بعد الأزمة المالية. ورغم أهميته، بقي تطبيق القانون معلقًا بسبب عدم إقرار قانون الفجوة المالية، ما يعكس الصراعات السياسية وتأثير المصالح الاقتصادية على مسار التعافي المالي في لبنان.
  4. توقيع اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة مع قبرص: وقع لبنان اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص، ما يفتح الطريق أمام البلدين لاستكشاف ثرواتهما البحرية وتطوير التعاون في مجالات الطاقة، الاتصالات، السياحة، الأمن والدفاع. وأكد الرئيس جوزاف عون أن الاتفاقية تمثل خطوة استراتيجية للتخلي عن لغة العنف وتعزيز الاستقرار الإقليمي، فيما وصف الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس الاتفاقية بالتاريخية وداعماً أساسياً لاستقرار لبنان وقبرص في شرق المتوسط. الاتفاقية توفر الإطار القانوني والاقتصادي اللازم للمستثمرين وتشكل أساساً للتعاون الإقليمي والدولي في المستقبل.
  5. صندوق النقد الدولي يحدد أولويات الإصلاح المالي في لبنان: أصدرت بعثة صندوق النقد الدولي بيانها الختامي بعد زيارة إلى بيروت، مؤكدة ضرورة تعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف ليوافق توصيات الصندوق، خصوصاً فيما يتعلق بتركيبة الهيئة المصرفية العليا وحق الطعن للمصارف، لتفادي تضارب المصالح وضمان فعالية الرقابة.
  6. إطلاق مؤتمر ” بيروت واحد”: شكّل إطلاق مؤتمر ” بيروت 1″، أحد أبرز الأحداث الاقتصادية في لبنان خلال عام 2025، والذي يهدف بدوره إلى إعادة تحفيز الاستثمار واستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني بعد سنوات من الأزمات. جاء المؤتمر برعاية رئاسية، جامعاً مستثمرين محليين ودوليين، ومقدّماً برامج استثمارية تفوق 7.5 مليارات دولار في قطاعات حيوية.

أخيراً، ورغم كثافة الأحداث التي شهدها لبنان خلال عام 2025 وصعوبة حصرها، يمكن القول إن هذا العام شكّل منعطفاً حاسماً في مسار الدولة اللبنانية، ولا سيما في ظل التحوّلات الإقليمية التي انعكست مباشرة على الداخل. فقد برزت خطوات إصلاحية ومبادرات استثمارية عكست بداية خجولة لمسار التعافي، على الرغم من استمرار التحديات البنيوية العميقة. وعليه، يبرز عام 2025 كمرحلة انتقالية مفصلية، ستتوقف عليها قدرة لبنان على الإنتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء استقرار مستدام ودولة أكثر تماسكاً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top