
ليست العملية الأميركية ضد الرئيس الفنزويلي أو محاولات إسقاط نظامه حدثاً استثنائياً في سجل السياسة الخارجية لواشنطن، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات المباشرة وغير المباشرة ضد خصومها. فمن بنما وإطاحة مانويل نورييغا، إلى تشيلي والانقلاب على الرئيس اليساري سلفادور الليندي، تتكرّر المعادلة ذاتها: المصالح الأميركية أولاً، ولو على حساب سيادة الدول واستقرارها.
لكن الملف الفنزويلي يتجاوز البعد المحلي ليحمل أبعاداً جيوسياسية خطيرة تمتد إلى النظام الدولي ككل، وخصوصاً الشرق الأوسط. ففنزويلا ليست دولة هامشية في سوق الطاقة، بل تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعل السيطرة على نفطها نقطة تحول استراتيجية في ميزان الطاقة والسياسة الدوليين.
في أميركا الجنوبية، تُعيد التطورات الأخيرة إحياء شبح “عقيدة مونرو” بشكل محدث، إذ تسعى واشنطن إلى استعادة نفوذها التاريخي في القارة بعد تمدد روسيا والصين، لا سيما في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا. هذا التحول قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الإقليمي، ويضع حكومات اليسار الصاعدة أمام خيار صعب بين التماهي مع المحور الأميركي أو البحث عن مظلات بديلة.
أما في الشرق الأوسط، فإن توسع النفوذ الأميركي في منابع الطاقة من الخليج والعراق إلى شرق المتوسط — مروراً بمحاولات التحكم بنفط غزة ولبنان وسوريا — وصولاً إلى فنزويلا، يعزز موقع واشنطن كلاعب محوري في سوق الطاقة العالمية، ويمنحها أوراق ضغط إضافية تجاه خصومها كإيران وروسيا والصين، وحتى بعض حلفائها التقليديين الساعين إلى استقلالية أكبر في سياساتهم النفطية.
اقتصادياً، قد يؤدي وضع اليد الأميركية على النفط الفنزويلي إلى نتائج متناقضة: فزيادة الإمدادات قد تُبقي الأسعار منخفضة بما يخدم الاقتصادات الغربية، لكنها في المقابل تُهدد مداخيل الدول العربية النفطية. وفي حال تفاقم الاضطرابات السياسية أو الأمنية في فنزويلا، فإن ذلك سيرفع منسوب المخاطر في الأسواق العالمية ويُعمّق تقلباتها.
في المحصلة، لا يمكن فصل التحرك الأميركي ضد فنزويلا عن الصراع العالمي على الطاقة والنفوذ، في ظل بروز نظام دولي متعدد الأقطاب وصعود الصين كقوة اقتصادية كبرى. إنها رسالة جديدة مفادها أن النفط لا يزال في صلب الصراعات الكبرى، وأن الجغرافيا السياسية للطاقة ستظلّ ترسم حدود التحالفات والمواجهات المقبلة، من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.
المصدر:
صلاح سلام – جريدة اللواء
