إيران في مواجهة معضلة وجودية: الاحتجاجات الداخلية وضغوط الخارج تضيّقان الخيارات

تواجه إيران اليوم واحدة من أكثر لحظاتها تعقيداً منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، إذ لم تعد التحديات مقتصرة على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط التقليدية، بل امتدت لتطال جوهر معادلة الحكم نفسها، وسط سؤال محوري: كيف يحافظ النظام على بقائه من دون أن يسرّع العوامل التي تهدده؟

احتجاجات عابرة أم تحول بنيوي؟

يثير امتداد المظاهرات إلى مدن صغيرة ومتوسطة، واتساع قاعدة المشاركين، تساؤلات حول طبيعتها؛ هل هي موجة اجتماعية قابلة للاحتواء، أم تعبير عن تحول أعمق في المزاج الشعبي؟

يُشير فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إلى أن هذه الاحتجاجات تختلف عن سابقاتها، إذ يقودها الشباب في المدن الصغيرة بدعم طلاب الجامعات، مع حضور نسائي قوي، بينما يغيب موظفو الدولة وعمّال النفط.

ويتفق مايكل روبين من معهد أميركان إنتربرايز مع هذه الرؤية، مبرزاً اختلافاً في طبيعة القوى المشاركة ورمزية انطلاقها من سوق طهران، وتأثير الضربات الإسرائيلية على تراجع الهيبة التقليدية للنظام. وفي المقابل، يحذر مايكل أوهانلن من المبالغة في تقدير قدرة الشارع على التغيير السريع، مشيراً إلى قوة التنظيم الداخلي للنظام واستعداده لاستخدام العنف.

الأزمة الاقتصادية: وقود سياسي

انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية وتراجع الثقة بالمؤسسات جعل الاقتصاد محركاً مباشراً للاحتجاجات. ويعتبر أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن الاحتجاجات تعكس تحولاً عميقاً في الرأي العام، إذ لم يعد الاعتراض موجهاً فقط إلى السياسات الاقتصادية، بل إلى نموذج الحكم نفسه، ما يضع النظام أمام سؤال صعب حول إمكانية إنقاذ الاقتصاد دون إعادة النظر في بنية السلطة.

المؤسسة الأمنية: تماسك تحت الضغط

تشكل الأجهزة الأمنية، من الحرس الثوري والباسيج إلى الاستخبارات، العمود الفقري لصمود النظام. ومع ذلك، يشير روبين إلى «تصدعات تتسع» ووجود شائعات عن الاستعانة بقوات خارجية مثل الحشد الشعبي و«لواء فاطميون» نتيجة تراجع الثقة ببعض وحدات الحرس.

ويرى فاتانكا أن هذه المؤسسات لا تزال متماسكة حالياً، لكن تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يؤدي مع الوقت إلى تراجع الروح المعنوية وظهور تصدعات جزئية، مع بقاء الانشقاق العلني غير مرجح على المدى القريب.

الضغط الخارجي: من الردع إلى كسر المحظورات

التصعيد الأميركي والإسرائيلي، إلى جانب تراجع وزن الحلفاء الإقليميين، يضاعف المخاطر على إيران. ويمثل تدخل ترامب ودعمه للمحتجين تحولاً في الخطاب الأميركي، حيث بات الداخل الإيراني جزءاً من معادلة الضغط، وليس البرنامج النووي وحده.

ويرى نديمي أن أحداث فنزويلا واعتقال مادورو تحمل رسائل لطهران، بينما يعتبر فاتانكا أن هذه الوقائع تضع النظام أمام واقع جديد بشأن استهداف القادة.

الشبكة الإقليمية: ورقة قوة أم عبء؟

تشير الضربات الإسرائيلية على قيادات ومواقع إيرانية إلى تحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية من الاحتواء إلى الاستهداف المباشر. ويعتقد أوهانلن أن هذا النمط سيستمر، مع تحوّل الشبكة الإقليمية الإيرانية إلى عبء استراتيجي نتيجة ارتفاع تكلفتها، مع إمكانية استخدامها داخلياً إذا ازدادت حدة الأزمة، وفق روبين وفاتانكا.

في ظل هذا التشابك بين الداخل والخارج، تضيق خيارات إيران إلى حد غير مسبوق. وبين من يرى في هذا الضعف فرصة لإعادة التوازن الإقليمي، ومن يخشى من فوضى واسعة، يبقى السؤال الأساسي: هل هي أزمة قابلة للاحتواء، أم أزمة وجود قد ترسم ملامح إيران والمنطقة لعقود مقبلة؟

المصدر: الشرق الأوسط

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top