اتفاق أمني أم بداية سلام؟ قراءة في المفاوضات السورية والإسرائيلية على الأصعدة الثلاثة: السياسية، الأمنية،والإقتصادية

بقلم ندى جوني

تشهد العلاقات السورية الإسرائيلية حراكاً سياسياً لافتاً، مع استئناف جولات تفاوض غير مباشرة بوساطة الولايات المتحدة، بعد تجميدها مدّة شهرين، والتي تركّز على إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، في ظل متغيّرات إقليمية متسارعة ومساعٍ أميركية لخفض التوتر بين البلدين. وتأتي هذه المفاوضات في سياق بحث ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية جديدة، وسط تأكيد سوري على ربط أي تقدم بانسحاب إسرائيلي كامل إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول 2024، مقابل طرح مبادرات تشمل آليات تنسيق أمني ومشاريع تعاون اقتصادي بإشراف دولي.

وفي هذا الإطار، أجرى موقع ” ديمقراطيا نيوز ” مقابلة مع كلّ من الخبير الاقتصادي السوري أسعد العشي، والباحث والأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج، للإضاءة على أهمية هذه المفاوضات وانعكاساتها المحتملة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وعلى مستقبل الإستقرار في سوريا والمنطقة.

الحاج: الاتفاق الأمني مدخل السلام، وتفعيل فضّ الاشتباك تحوّل سياسي لا إجراء مؤقت

في ما يخص الجانبين الأمني والسياسي من الاتفاق، ذكر الباحث والأكاديمي عبد الرحمن الحاج أن تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، سواء عبر نسخة معدّلة منه أو من خلال اتفاق أمني جديد يستند إليه، يُعدّ تحوّلاً سياسياً بامتياز، وليس مجرد إدارة لحالة مؤقتة.
وأشار إلى أن هذا المسار يشكّل من جهة استجابة مباشرة لاستحقاقات مرحلة الانتقال السياسي في سوريا، التي تتطلب استقراراً طويل الأمد، ووقف الانتهاكات المتكررة والاعتداءات على السيادة السورية، لما لذلك من أثر في إضعاف سيطرة الدولة وتعزيز النزعات الانفصالية أو التوجه نحو الحكم الذاتي. ومن جهة ثانية، شدّد على أن هذا التوجه يأتي في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، ولا سيما السياسات الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول 2023، والتي تقوم على توسيع ما تسميه إسرائيل “مجالها الحيوي” استناداً إلى التفوق العسكري وفائض القوة.
وأضاف من جهة ثالثة ان الحكومة السورية الانتقالية تسعى بجدية إلى اتفاق سلام قائم على إعادة الأرض، مؤكداً أنها لا تريد استقراراً هشّاً أو مؤقتاً.
وفي السياق ذاته، أكّد الحاج أن المفاوض السوري لا يعتمد في مقاربته على نوايا إسرائيل فقط، بل على عاملين أساسيين؛ الأول يتمثل في حاجة إسرائيل إلى اتفاق أمني يضمن لها الهدوء في الجبهة الشمالية ويمنع تكرار مفاجآت من نمط أحداث السابع من تشرين الأول، والثاني هو الدور الأميركي، حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، ترى في استقرار سوريا مصلحة لها، ما يجعلها مرشحة للقيام بدور الضامن لأي اتفاق محتمل.
وحول إنشاء آلية مشتركة، أوضح الحاج أن هذه الآلية تُعد آلية تنفيذية لاتفاق أمني محتمل، مذكّراً بأن اتفاق عام 1974 كان يتضمن لجنة أمنية تشرف على التنفيذ، تضم قوات الفصل الدولية “الأندوف” وفريقاً سورياً وآخر إسرائيلياً، على أن يتم التواصل بين الطرفين بشكل غير مباشر عبر قائد قوات الأندوف. وأشار إلى أن الجديد اليوم يتمثل في الانتقال إلى لقاءات مباشرة بين الطرفين، مع مهام أوسع، وهو ما يحدث للمرة الأولى، معتبراً أن ذلك يعكس جدية الجانب السوري في الوصول إلى اتفاق حاسم، ومحاولة تفكيك المخاوف الإسرائيلية التي تُستخدم ذريعة لتبرير الانتهاكات، والسعي إلى التمسك بنقاط التقدم التي تم احتلالها بعد الثامن من كانون الأول، بما في ذلك قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية.
وفي ما يتعلق بإمكانية فصل المسار الأمني عن المسار السياسي، شدّد الحاج على أن هذا الفصل ممكن وفق المقاربة السورية، على أساس أن التقدم في المسار الأمني يشكّل القاعدة التي يبنى عليها أي مسار سياسي لاحق.
وذكر أن الوفد المفاوض يعتبر أن الوصول إلى اتفاق سلام شامل يمر عبر مراحل، تبدأ أولاً باتفاق أمني يستند إلى اتفاق الهدنة لعام 1974، ويشمل التراجع عن أي تقدم عسكري حصل على الأرض.

وأكّد أن الحكومة السورية ترى أن الوصول إلى اتفاق سلام شامل أمر ممكن في نهاية المطاف، وأن هناك مصلحة سورية في ذلك، لكن بشرط أن يقوم على القرارات الدولية وحق سوريا الكامل في السيادة على أرضها في الجولان، مع الإقرار بأن هذا المسار سيكون طويلاً ومعقداً.
وحول ربط الاتفاق بنزع السلاح في الجنوب، أوضح الحاج أن اتفاق عام 1974 ينص أساساً على تقسيم مناطق الجنوب إلى ثلاثة مستويات: المنطقة A، وهي منطقة عازلة منزوعة السلاح لا يوجد فيها سوى قوات الفصل الدولية، ويحظر فيها وجود أي قوات للطرفين؛ والمنطقة B ، التي تمتد بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي السورية، وهي منزوعة السلاح الثقيل؛ والمنطقة C، التي يتراوح عرضها بين عشرة وعشرين كيلومتراً، وهي منطقة منخفضة التسلح يُسمح فيها بوجود عدد محدود من القوات.
وأشار إلى أن فكرة المناطق المنزوعة السلاح ليست جديدة، بل هي قائمة في الاتفاق الأصلي، إلا أن ما تسعى إليه إسرائيل اليوم هو توسيع عمق المنطقتين B وC ليصل إلى جنوب دمشق ويمتد شرقاً حتى السويداء.
وأكّد أن هذه المطالب الإسرائيلية قوبلت بالرفض، وتم تقديم مقترحات بديلة، نظراً لأن المقترح الإسرائيلي من شأنه خلق بيئة مناسبة لتدخل أطراف خارجية تستغل هذا الواقع للإضرار بالطرفين. وشدّد على أن إسرائيل تحاول إضعاف سيطرة الحكومة السورية على الجنوب بذريعة المخاوف الأمنية، في حين تعمل الحكومة السورية على تفكيك هذه الذرائع، مؤكداً أن ليس كل مطلب إسرائيلي قابلاً للقبول، ومذكّراً بما قاله الرئيس أحمد الشرع بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “يقاتل أشباحاً”، في إشارة إلى مخاوف لا وجود لها على أرض الواقع.

وفي ما يخص الأدوار الدولية، ذكر الحاج أن روسيا مرشحة للعب دور في تحقيق نوع من التوازن العسكري، لكنها ليست مرشحة للقيام بدور في اتفاق السلام أو في ضمان تنفيذه، معتبراً أن معظم ما يتمّ تداوله في هذا الإطار لا يتعدى كونه فرضيات. وأكّد أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا سوريا تبدو معنية بإشراك روسيا في تنفيذ أو ضمان استقرار أي اتفاق.
في المقابل، شدّد على أن إيران تسعى إلى تخريب أي اتفاق محتمل، لأن نجاحه سيؤدي إلى زيادة الضغط على حزب الله، ويقلل من فرص استغلال حالة عدم الاستقرار للتغلغل السري داخل الأراضي السورية.
وختم الحاج بالإشارة إلى أن أي اتفاق أمني سوري إسرائيلي من شأنه أن يشكّل أرضية للاستقرار في المنطقة، وأن يخفف من مخاوف دول إقليمية عدة، ولا سيما الأردن وتركيا والمملكة العربية السعودية، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن ذلك لن يكون كافياً بمفرده. وأوضح أن المخاوف الإقليمية من الدور الإسرائيلي تتجاوز الساحة السورية، وترتبط بالقلق من العبث بالخريطة السياسية للمنطقة، معتبراً أن الاتفاق الأمني يمكن أن يكون أساساً لاتفاق سلام أوسع إذا حقق أهدافه المباشرة. وأكّد أن مسار السلام والتطبيع مع إسرائيل في المنطقة يبدو أبعد من سوريا وحدها، فرغم أن سوريا تشكّل حلقة مركزية في هذا المسار، إلا أن تحقيقه لا يتوقف عليها وحدها.

العشي: المياه والغاز والسياحة مفاتيح أي تسوية اقتصادية بين سوريا وإسرائيل

في سياق الحديث عن المفاوضات الجارية بين إسرائيل وسوريا، أشار الخبير الإقتصادي أسعد العشي إلى أن البعدين الاقتصاديين الأكثر أهمية في أي مسار تفاوضي محتمل هما السياحة والمياه.
وأوضح العشي أن ملف المياه، ولا سيما في بحيرة طبريا وحوض اليرموك، يشكّل محور اهتمام مشتركاً بين الطرفين السوري والإسرائيلي، نظراً للحاجة المتزايدة لتأمين الموارد المائية في البلدين. ولفت إلى أن الذهاب نحو مشاريع مائية مشتركة قد يشكّل بديلاً عملياً عن الدخول في ما سماه ” حرب مياه” ، معتبراً أن المنطقة الاقتصادية المنزوعة السلاح على جانبي الحدود يمكن أن تفتح الباب أمام مثل هذه المشاريع.
أما في ما يخص السياحة، فأكد العشي أن السياحة الشتوية تمثل نقطة جذب أساسية، مشيراً إلى إمكانية تطوير مشاريع مشتركة في مجال التزلج أو إنشاء مرافق سياحية على جبل الشيخ، إضافة إلى استثمار المياه الكبريتية في الجولان المحتل كمشاريع سياحية عابرة للحدود.
ورأى أن هذه الخطوات قد تساهم في إعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي، وربما في منتدى غاز شرق المتوسط، مع التنبيه إلى أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بطبيعة العلاقة مع تركيا وحجم الضغوط التي قد تمارسها أنقرة على أي تقارب سوري إسرائيلي.

وفي قطاع الطاقة، شدّد العشي على أن الفرص الأساسية تنقسم إلى ثلاثة محاور. الأول هو الغاز، إذ تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل مكامنها الغازية، في وقت يُستورد فيه جزء من احتياجاتها حالياً من أذربيجان. واعتبر أن الاستفادة من الغاز الإسرائيلي المنتج، ولا سيما من حقل “ليفياثان”، قد تكون خياراً مطروحاً، لافتاً إلى مؤشرات أولية مثل مذكرات التفاهم التي وقعت سابقاً مع مصر لاستجرار الغاز عبر خط الغاز العربي، وإمكانية وصول الغاز الإسرائيلي إلى مصر عبر أنبوب عسقلان – العريش.

وأضاف أنه في حال تم اكتشاف مكامن غاز قبالة السواحل السورية، فمن المرجح ألا تكون بكميات تجارية كافية لإنشاء بنى تحتية مستقلة، ما قد يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة أو ربط هذه المكامن بالبنى التحتية القائمة في المياه الإقليمية الإسرائيلية، مع تقاسم العوائد.

وأشار في هذا السياق إلى الاهتمام الذي تبديه شركة “شيفرون”، المشغلة لحقل ليفياثان، بهذا النوع من الفرص. وتطرق العشي إلى مجالات طاقة أخرى، من بينها الاستفادة من التجربة الإسرائيلية في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك في تكنولوجيا تحلية المياه، في ظل الأزمة المائية الحادة التي تعاني منها سوريا.
كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية، ولا سيما في تقنيات الري الحديثة واستثمار الأراضي، لتحسين إنتاجية الزراعة السورية التي ما زالت تعتمد على أساليب تقليدية. وفي المجال الطبي والصيدلاني، لفت إلى أن إسرائيل تُعد من أبرز منتجي الأدوية عالمياً، وتمتلك مراكز بحث وتطوير متقدمة، ما قد ينعكس إيجاباً على الاقتصاد السوري على المدى القريب، خصوصاً إذا توافر الغاز والطاقة اللازمة لإعادة تشغيل شبكة الكهرباء المتعثرة.

وفي ما يتعلق بالإشراف الأميركي المحتمل على المشاريع الاقتصادية، رأى العشي أن لهذا الدور وجهين: الأول يتمثل بإمكانية استخدامه كأداة ضغط سياسي، وغالباً ما يكون موجهاً بشكل أكبر نحو الطرف السوري، والثاني كضمانة للاستقرار، عبر لعب دور الحكم بين الطرفين.
وأشار إلى أن البيان الصادر أخيراً عن مجموعة العمل المزمع إنشاؤها لم يقتصر على الجوانب الاستخباراتية والدبلوماسية، بل تطرق أيضاً إلى المجالات التجارية والفرص الاقتصادية، ما يعكس رغبة أميركية واضحة في لعب هذا الدور. وفي معرض حديثه عن المخاطر، حذّر العشي من تحويل الاستثمارات الاقتصادية إلى أدوات ضغط سياسية وأمنية.
وأكد أن استيراد الغاز الإسرائيلي قد يكون مفيداً، لكنه يشكّل خطراً على الأمن الطاقي السوري إذا تحوّل إلى مصدر وحيد، نظراً لكون إسرائيل لا تزال رسمياً دولة عدو. وشدد على ضرورة أن تحافظ الحكومة السورية على تنويع مصادر الطاقة وبناء علاقات متوازنة مع مختلف دول الجوار. كما دعا إلى الحذر في ما يخص ربط المكامن السورية بالبنى التحتية الإسرائيلية، حتى في حال كانت شركات دولية مثل شيفرون مشغلة للطرفين، مطالباً بوجود بدائل، مثل التفاوض مع قبرص أو تركيا، لتفادي استخدام هذا الربط كوسيلة ضغط سياسي.
أما بالنسبة للعلاقات التجارية مع الدول العربية، فأكد العشي أنها لن تتأثر بشكل سلبي مباشر، بل قد تشهد أثراً إيجابياً في بعض القطاعات، مثل الغاز.

وأشار إلى أن تطوير القطاع الزراعي السوري وتحقيق الأمن الغذائي قد يتيح فائضاً للتصدير إلى دول الجوار كلبنان والعراق. كما أكد في المقابل على أن الاعتماد السوري الأساسي سيبقى على العلاقات مع الدول العربية المجاورة، بسبب البعد الأمني لأي علاقة اقتصادية مع إسرائيل، ولضمان تنوع المصادر والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. وختم العشي بالإشارة إلى أن الانتقال من اقتصاد صراعي إلى اقتصاد قائم على التسويات يبقى مرهوناً بالموقف التركي. فإذا كانت تركيا جزءاً من هذه العملية، فقد يشكّل ذلك مدخلاً لتحول اقتصادي حقيقي في سوريا.
أما إذا تحوّلت أنقرة إلى عامل معرقل ولم تكن مشمولة في أي اتفاق، فإن ذلك لن يؤدي فقط إلى فشل الانتقال نحو اقتصاد التسويات، بل قد يزيد من حدة الصراع، ويحوّل سوريا إلى ساحة صراعات إقليمية، ولا سيما بين إسرائيل وتركيا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top