
بقلم غنوى بو ضاهر – ديمقراطيا نيوز
في طرابلس، لا يعيش الناس في بيوت، بل تحت أحكام مؤجّلة بالموت. جدران متشققة، أسقف آيلة للسقوط، وأعمدة لم تعد قادرة على حمل ثقل الزمن والإهمال، فيما آلاف العائلات تنام كل ليلة وهي لا تعرف إن كانت ستصحو في الصباح أم ستُنتشل من تحت الركام. هذا ليس توصيفًا مبالغًا فيه، بل واقع يومي في مدينة تُركت لمصيرها، حتى بات الخطر جزءًا من تفاصيل الحياة فيها.
البيوت المهددة بالسقوط في طرابلس ليست نتيجة كارثة طبيعية مفاجئة، بل حصيلة سنوات طويلة من الإهمال الرسمي، وغياب التخطيط، وانعدام الصيانة، والفقر الذي حاصر السكان ومنعهم من ترميم منازلهم. تفاقمت الأزمة مع الانهيار الاقتصادي، وازدادت خطورتها بعد الهزات الأرضية التي ضربت شمال لبنان، فكشفت هشاشة مئات الأبنية التي كانت تقف بالكاد.
اليوم، هناك مئات المباني المصنفة خطرة، وربما أكثر بكثير، في أحياء مكتظة بالسكان، حيث لا ترف للهرب ولا بدائل سكنية. صدرت قرارات إخلاء في بعض الحالات، لكن السؤال البديهي الذي يطرحه السكان: إلى أين نذهب؟ من يتحمل كلفة الإيجار؟ من يؤمّن سقفًا بديلاً لأطفالنا؟ هكذا يُترك الناس أمام خيارين كلاهما قاتل: إما البقاء تحت خطر الانهيار، أو التشرد في الشارع.
ولعلّ ما شهدناه منذ أيام في منطقة ضهر المغر يشكّل الدليل الأوضح على خطورة هذا الإهمال. هناك، تحوّلت التحذيرات إلى مأساة حقيقية مع انهيار مبنى فوق ساكنيه، لتنكشف مجددًا طريقة تعاطي الدولة مع الكوارث. فكل ما قُدّم للعائلات المنكوبة لم يتجاوز تسعين مليون ليرة لبنانية، كمساعدة وُصفت بالطارئة، وهي لا تكفي عائلة واحدة لشهر واحد، فكيف بعائلات خسرت منازلها وكل ما تملك تحت الركام؟ هذا النموذج الفاضح من المعالجة يفسّر لماذا يفضّل كثيرون البقاء في بيوت مهددة بالسقوط على أن يُرموا إلى الشارع بلا كرامة ولا بديل. فالموت المحتمل، في نظرهم، أهون من ذلّ الإهمال الرسمي.
الدولة اللبنانية تتحمل المسؤولية الأولى. فغياب خطة وطنية واضحة لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط هو قرار بحد ذاته، قرار بتأجيل الكارثة لا منعها. الاكتفاء بالكشوفات الهندسية من دون تأمين حلول، ومن دون رصد ميزانيات، ومن دون وضع برامج إيواء بديلة، هو تخلٍّ صريح عن واجب حماية المواطنين.
البلديات، وعلى رأسها بلدية طرابلس، لا يمكنها الاكتفاء برفع الصوت والتحذير من الخطر. صحيح أن الإمكانيات محدودة، لكن مسؤولية المتابعة، والضغط، وإعلان الأرقام بشفافية، وإبقاء الملف حيًا أمام الرأي العام، واجب لا يسقط بحجة العجز المالي.
أما الوزارات المعنية، من الأشغال إلى الشؤون الاجتماعية، فهي مطالبة بتحمّل دورها الكامل، لا بتبادل المسؤوليات. فكل يوم تأخير، وكل ملف مؤجّل، وكل وعد غير منفّذ، يعني احتمال سقوط بيت فوق ساكنيه.
هذه ليست قضية هندسية فحسب، بل قضية إنسانية بامتياز. أطفال، مسنون، وعائلات بأكملها يعيشون تحت تهديد دائم، في مدينة تعاني أصلًا من أعلى نسب الفقر والحرمان. وأي انهيار جديد لن يكون “حادثًا”، بل جريمة موصوفة بالإهمال.
وما يزيد فداحة المشهد أن بعض هذه الأبنية يشكّل جزءًا من الذاكرة التاريخية والمعمارية لطرابلس. سقوطها لا يعني فقط فقدان مساكن، بل محو تاريخ وهوية مدينة تُستنزف بصمت.
أصوات الناس في طرابلس ليست صراخًا عبثيًا، بل نداء استغاثة. مطلبهم واضح وبسيط: حقهم في العيش بأمان. المطلوب خطة طوارئ فورية، صندوق دعم حقيقي، مساكن بديلة، وترميم فعلي، لا بيانات ولا لجان ولا تسويف.
في طرابلس، الخطر لا ينتظر. الجدران تتشقق أكثر، والأسقف تضعف، والوقت ينفد. وحين يسقط أول بيت فوق ساكنيه، لن ينفع السؤال عمّن المسؤول، لأن المسؤول سيكون كل من علم وسكت، وكل من رأى الخطر وقرّر تأجيل المواجهة.
