عودة سعد الحريري بين تصحيح المسار وتكرار التجربة

بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز

في السياسة اللبنانية، نادرًا ما تحوّلت تجربةٌ سياسية إلى “حالة” تتجاوز التنظيم والشعار كما حصل مع الحريرية. فهي لم تكن حزبًا تقليديًا بقدر ما كانت مقاربة للحكم والدولة والاقتصاد، ارتبطت بسياق تاريخي محدد وبشخص رفيق الحريري، ثم خضعت لاحقًا لتحوّلات عميقة فرضتها الوقائع الداخلية والإقليمية. اليوم، تبدو الحريرية السياسية في لحظة اختبار حاسم، لا بوصفها ذكرى، بل كإمكان لم يُحسم بعد.

يمكن تفكيك الحريرية إلى ثلاث دوائر متمايزة: الحريريون القدماء، تيار المستقبل كتنظيم، ثم الفئات المتعاطفة مع سعد الحريري والحالة الحريرية خارج الإطار الحزبي.

الحريريون القدماء: تجربة لا تُستنسخ

الحريريون الأوائل هم أبناء التجربة لا أبناء التنظيم. عاصروا رفيق الحريري، واطّلعوا مباشرة على منهجه في إدارة الاقتصاد والعلاقات الدولية والتسويات الداخلية. لم ينخرط معظمهم في العمل الحزبي، لأن الحريرية في أصلها لم تُبنَ كحزب، بل كمشروع دولة قائم على إعادة الإعمار، وتوسيع الطبقة الوسطى، وربط الاستقرار السياسي بالنمو الاقتصادي.

بعد اغتيال رفيق الحريري، راقب هؤلاء المرحلة التالية بحذر. دعم قسم منهم حكومة فؤاد السنيورة باعتبارها استمرارًا تقنيًا للنهج الاقتصادي، لا مشروعًا سياسيًا بديلًا. ومع انتقال القيادة إلى سعد الحريري، انقسموا بين من أعطى الفرصة ومن انكفأ بصمت، ليس اعتراضًا بل اقتناعًا بأن الشروط تغيّرت وأن الأدوات لم تعد صالحة. هذه الفئة لم تصطدم، ولم تنتقل إلى الضفة المقابلة، لكنها خرجت من المشهد تاركة فراغًا نوعيًا لم يُملأ.

تيار المستقبل: من التعاطف إلى الاختلال

نشأ تيار المستقبل بعد الاغتيال في مناخ تعاطف عارم وفراغ سياسي في الساحة السنية. حاول أن يتحوّل إلى حزب منظّم عبر الكوادر والمنسقيات والماكينات الانتخابية. غير أن هذا التحول اصطدم بثلاثة عوامل متراكمة: الحصار السياسي، تراجع التمويل، وتناقض الخطاب بين السيادة المرتفعة السقف ومتطلبات التسوية.

مع الوقت، فشل التيار في الاستقطاب النوعي. ومع شحّ الموارد، لجأ إلى نمط تمثيلي لا يشبه الحريرية الأصلية. اقترب من فئات منتفعة ومستلزمة، قدّمت نفسها كمفاتيح انتخابية وقبضيات قادرة على “تدبير أمورها” ماليًا، لكنها في الواقع افتقرت إلى أي مضمون سياسي أو اجتماعي مستدام. هذا التحول نقل التيار من ركيزته الأساسية — الطبقة الوسطى والمتعلمين والعاملين — إلى هوامش تبحث عن النفوذ لا عن المشروع. والنتيجة كانت تنظيمًا مثقلاً بالشوائب، فاقدًا للجاذبية، وعاجزًا عن إنتاج نخبة سياسية جديدة.

محبّو سعد الحريري: التعاطف خارج التنظيم

بالتوازي، برزت فئة لا يُستهان بها عدديًا من المتعاطفين مع سعد الحريري كشخص وتجربة، لا كتنظيم. ترى هذه الفئة في مسيرته محاولة صعبة لوراثة زعامة في لحظة مأساوية، وتقدّر خياراته التي جنّبت لبنان انزلاقات كبرى، ولو أتت أحيانًا على حساب الشعبية داخل الطائفة السنية. كما غذّى إقصاؤه الخارجي وتعنت خصومه الداخليين شعورًا بالمظلومية السياسية، ما عزّز التعاطف معه.

هذه الفئة لم ترتبط بتيار المستقبل تنظيمًا، ولم تنخرط في صراعاته الداخلية. وهي، بغياب سعد الحريري عن السلطة، بقيت غير فاعلة سياسيًا، لكنها كامنة، قابلة لإعادة التفعيل إذا ما عاد الرجل نفسه إلى المشهد.

الحريرية والفراغ السني

غياب الحريرية، عمليًا، ساهم في تشتت الساحة السنية وإضعاف موقعها الوطني، ما فتح الباب أمام تكالب سياسي واختلال في التوازنات. من هنا، نشأ تعاطف مع الحريرية لا من باب الحنين، بل من باب المصلحة الوطنية، باعتبارها عنصر توازن عابر للطوائف والمناطق.

غير أن تعليق العمل السياسي من دون مسار بديل واضح أدخل الحالة الحريرية في دائرة انتظار طويلة. ومع مرور الوقت، يفقد أي شارع سياسي انضباطه وقدرته على التعبئة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: التآكل البطيء.

الفرصة المتاحة

رغم ذلك، لا تزال أمام سعد الحريري فرصة فعلية، إن قرر العودة، لقلب المعادلة — على الآخرين وعلى نفسه. ليس عبر إحياء تنظيم مُرهق، بل عبر تنقية الحريرية من الرواسب التي علقت بها، والعودة إلى قاعدتها الأصلية: الطبقة الوسطى، المتعلمون، العاملون، اللاطائفيون، المؤمنون بالدولة والإنماء من دون مقابل. تبنّي وجوه تشبه رفيق الحريري في النهج لا في القدرة المالية قد يكون خطوة إلى الوراء تكتيكيًا، لكنها ضرورية للاندفاع إلى الأمام.

الحريرية اليوم ليست في ذروة حضورها، لكنها لم تُستنفد. هي في مفترق: إمّا أن تُستعاد كمشروع واقعي محدّث، أو أن تبقى ذكرى سياسية مؤثرة بلا وظيفة. القرار، في النهاية، سياسي بقدر ما هو بنيوي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top