موازنة 2026 بين الإنضباط الشكلي وغياب الرؤية: هل تكفي الإستمرارية بلا إصلاحات جذرية؟

بقلم ندى جوني

يترنح لبنان تحت وطأة الأزمات المتلاحقة والإنهيار الإقتصادي الحادّ الذي ما زال يدفع ثمنه الشعب اللبناني.

وفق هذا الإطار، أُقرّت موازنة 2026 بأكثرية 59 نائباً مقابل 34 صوتاً معارضاً، والتي من الواجب أن تكون بداية إنقاذية. إلاّ أن لبنان الذي ما زال يشهد تآكل مؤسساته وغياب أي مسار إصلاحي، وجد نفسه مجدداً امام موازنة يتمّ تقديمها على أنها ضرورة للإستمرارية أكثر مما هي رؤية للإنقاذ. وبين مجلس نيابي منقسم، وشارع يغلي غضباً بعد صرخات العسكريين المتقاعدين والموظفين في القطاع الرسمي، جاءت الموازنة انعكاساً مباشراً لحال البلد المضطرب سياسيًا، أمنيًا واقتصاديًا.
ولمتابعة أصداء اقرار الموازنة على المستوى الوطني، أجرى “ديمقراطيا نيوز “، مقابلة مع خبير المخاطر المصرفية الأستاذ محمد فحيلي من أجل الإطلاع على مضمون هذه الموازنة وتداعايتها على الأزمة الإقتصادية.

فحيلي: موازنة 2026 متوازنة حسابياً… لكنها عاجزة أمام واقع الإنهيار

ذكر خبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي في حديثه، أنّ جلسة مساء 29 كانون الثاني لم تشكّل خاتمة طبيعية لمسار إقرار موازنة 2026، بل جاءت، على العكس، مؤشراً واضحاً إلى حجم الرفض النيابي لمشروع الموازنة، بغضّ النظر عن تقديمه ضمن المهل الدستورية. وشدّد على أنّ الاعتراض لم يكن تقنياً فحسب، بل طال جوهر الإنتظام المالي، ولا سيّما تجاوز مبدأ قطع الحساب عن السنوات السابقة، معتبراً أنّ هذا التجاهل يشكّل خللاً بنيوياً في أي مسار مالي سليم.

وأشار فحيلي إلى أنّ رفض الموازنة بدا واضحاً حتى من قِبل بعض النواب الذين صوّتوا لمصلحتها، في مفارقة تعكس انقساماً سياسياً ومالياً داخل المجلس أكثر مما تعبّر عن قناعة فعلية بمضمون المشروع.
وأكّد أنّ النقاش النيابي لم يرقَ إلى مستوى مقاربة مالية جدّية، في ظل الضغوط الشعبية والتحركات في محيط المجلس، ما حال دون إجراء نقاش معمّق حول الخيارات الاقتصادية المطروحة.
ولفت إلى أنّ تقييم أي موازنة لا يمكن أن ينطلق من سؤال ” كم يبلغ الرقم” ؟، بل من سؤال أكثر جوهرية: هل تستطيع هذه الأرقام الصمود أمام واقع لبناني مثقل بالأزمات؟، موضحًا أنّ هذا الواقع يتّسم بانهيار الثقة النقدية والمالية، واتساع الاقتصاد النقدي، واستمرار الشلل المؤسسي، إضافة إلى تراجع أداء القطاعات الخدماتية الأساسية، من كهرباء وصحة وتعليم، تحت ضغط اجتماعي متزايد.
وعلى هذا الأساس، اعتبر أنّ مقاربة موازنة 2026 يجب أن تنطلق من بنيتها القانونية وأدواتها الضريبية وآليات ضبط إنفاقها، لا من تجميل أرقامها.

وفي ما يتعلّق بالصورة العامة للموازنة، أشار فحيلي إلى أنّ المشروع قدّم موازنة ” متوازنة على الورق” ، إذ حدّد اعتمادات بقيمة 538,415,617,000,000 ليرة لبنانية، مع تقدير واردات بالقيمة نفسها، ومن دون تسجيل واردات استثنائية.

ورأى أنّ هذا التوازن الحسابي قد يُفسَّر كإشارة إلى الإنضباط، إلا أنّه في السياق اللبناني يشكّل نقطة ضعف محتملة، لأن التوازن الرقمي لا يعني توازناً مالياً فعلياً إذا كانت تقديرات الجباية غير قابلة للتحقّق، أو إذا استمرّت إدارة التزامات مالية خارج إطار الموازنة.

وحول إدارة المخاطر المالية، أوضح أنّ المشروع تضمّن مواد تهدف إلى تنظيم فتح الإعتمادات الاستثنائية وتدوير بعض الأرصدة، ما يساهم في إدارة السيولة داخل المالية العامة. لكنه شدّد على أنّ هذه الأدوات لا تجيب عن الأسئلة الأساسية المرتبطة بالفرضيات الاقتصادية المعتمدة، كالسعر المرجعي للصرف، ومستويات التضخم، وحجم النمو، وقدرة الامتثال الضريبي في اقتصاد شديد الدولرة.

كما حذّر فحيلي من تحوّل آليات الطوارئ إلى أدوات تمويل ترقيعية في حال تراجعت الإيرادات الفعلية.

وفي ما يخص السياسة الضريبية، اعتبر فحيلي أنّ المشروع يتّجه إلى تحسين الجباية عبر تعديلات متفرقة ذات طابع إجرائي وانتقائي، من دون أن يقدّم إصلاحاً ضريبياً متكاملاً يتلاءم مع طبيعة الاقتصاد اللبناني الراهن.

ولفت إلى أنّ تعديلات ضريبة القيمة المضافة، وفرض ضريبة استثنائية على بعض الأرباح المرتبطة بالعمليات المصرفية، وتمديد تسويات مخالفات البناء، وتعديل رسوم المقالع والكسارات، وتحديث بعض أحكام رسم الانتقال، قد تحقّق إيرادات إضافية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة المتمثّل بتوسّع الاقتصاد غير المنظّم وضعف قدرة الدولة على الرقابة والتحصيل.

وعلى مستوى الإنفاق العام، أشار إلى حضور بنود ذات طابع إسعافي، لا سيّما في ما يتعلّق بالمعالجة الصحية ودعم بعض الخدمات المحلية، معتبراً أنّ هذه الإجراءات تبقى استجابات ظرفية أكثر منها سياسة اجتماعية واضحة المعايير.

كما لفت إلى إدراج مشاريع استثمارية مرتبطة بالبنى التحتية، ولا سيّما في قطاع الجمارك، مؤكداً أنّ فعالية هذه المشاريع تبقى مشروطة بربطها بإصلاحات حوكمية تحدّ من التهريب وتعزّز الشفافية.

وفي ما يخصّ صندوق النقد الدولي، شدّد فحيلي على أنّ الصندوق لا يمتلك أي صفة تشريعية أو تنفيذية في لبنان، سواء في ما يخصّ إقرار الموازنة أو السياسات النقدية والمالية، موضحاً أنّ دوره يقتصر على الإطار الاستشاري في حال قرّرت الدولة اللبنانية طلب دعمه.

وأكّد أنّ اهتمام الصندوق، في حال الدخول في برنامج تمويل بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، ينحصر في قدرة لبنان على السداد ضمن مهلة تتراوح بين أربع وست سنوات، من دون أن يعني ذلك تدخّلاً مباشراً في القرار السيادي. كما أشار إلى أنّ ملاحظات الصندوق تركّز على توسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز الإطار القانوني للجباية، وأخذ عامل الأمان الاجتماعي في الاعتبار في ظل التدهور الحاد في القدرة الشرائية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top