بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​منذ عشرات الآلاف من السنين، لم يكن أجدادنا الأوائل يهتمون كثيراً بجمالية غروب الشمس، بل كان تركيزهم منصباً على سؤال مصيري واحد: “هل ذلك الظل خلف الشجرة هو مجرد شجيرة أم نمر مفترس؟”. في ذلك الزمن البعيد، كان الشخص القلق والشكاك هو الذي ينجو ويورث جيناته، بينما الشخص “المتفائل” الذي يظن أن كل شيء على ما يرام قد ينتهي به الأمر وجبة للسباع. نحن اليوم، ببدلاتنا الأنيقة وهواتفنا الذكية، لا نزال نحمل داخل رؤوسنا ذات “نظام التشغيل” البدائي الذي لم يتحدث منذ العصر الحجري؛ نظاماً لا يفرق بين هجوم وحش كاسر وبين رسالة “واتساب” تأخر الرد عليها، فيتعامل مع كليهما كتهديد وجودي يستنفر له الجسد وتضطرب بسببه الروح.

​هذه هي المفارقة التي أريدكم أن تلتفتوا إليها؛ إن ألمكم لا ينبع من الأحداث ذاتها، بل من “الأحكام” التي تصدرونها عليها. فالعقل لم يُصمم ليمنحكم السكينة، بل ليضمن بقاءكم، ومن أجل ذلك هو مستعد لتأليف آلاف القصص المرعبة يومياً. إنك حين تضطرب لنقدٍ وجهه إليك أحدهم، فأنت لا تتألم من كلمات خرجت من فمه، بل من “الترجمة” التي وضعها عقلك لتلك الكلمات، محولاً إياها إلى وحش ينهش قيمتك الذاتية. إن الحقيقة التي يجب أن تواجهوها هي أن المعاناة غالباً ما تكون “سيناريو” من تأليف ذلك الإنسان البدائي الذي يسكن رؤوسكم، والحرية تبدأ حين تدركون أنكم لستم مؤلفي هذا الفيلم، بل أنتم المشاهدون له فقط.

​لكن، دعونا نخرج من دائرة “الذات” الضيقة لنرى كيف تُستثمر هذه الخديعة الذهنية في المسرح الكبير: “السياسة”. السياسة في أعمق صورها ليست سوى فن إدارة مخاوف البشر. إن الزعماء والمنظرين، عبر العصور، أدركوا مبكراً أن “إنسان الكهف” بداخلنا لا يزال يرتعد من “الآخر” المجهول. وهنا تتحول “العدسة الذهنية” من أداة شخصية إلى سلاح جماعي؛ إذ يتم توظيف قلقنا الفطري لتشييد أسوار من الكراهية. عندما يخبرك خطاب سياسي ما بأن “هناك غريباً يهدد رزقك أو هويتك”، فهو لا يخاطب عقلك التحليلي، بل يخاطب ذلك الصياد المذعور في رأسك. هو يعيد استنساخ وهم “النمر خلف الشجرة” ليقنعك بأن الحل الوحيد للنجاة هو الالتفاف حول “القبيلة” ومواجهة “العدو المتخيل”. إن الشعوب التي لا تملك وعياً بتشوهات عقولها المعرفية هي الوقود المثالي للحروب والنزاعات؛ فالعقل الذي يصدق وهماً داخل رأسه، يسهل إقناعه بوجود “شيطان” خلف الحدود.

​في عالم الاقتصاد أيضاً، نجد أن “وهم القلق” هو المحرك الأكبر للاستهلاك. النظام الرأسمالي المعاصر يعتاش على فكرة “النقص المستمر”؛ يقنعك عقلك بأنك لست كافياً، وأن قيمتك مرتبطة بما تملكه. هذا الضجيج الذهني هو الذي يدفعك لسباق محموم لا ينتهي، خوفاً من أن تُنبذ اجتماعياً أو تُصنف كفاشل. نحن نعيش في تضخم نفسي هائل، حيث نعطي للأحداث الصغيرة قيمة عاطفية تفوق حجمها الحقيقي بمئات المرات. والحل ليس في قمع هذه الأفكار، بل في فهم طبيعتها كأدوات قديمة لم تعد صالحة لهذا العصر. العقل يمارس “إدارة الذعر” بدلاً من إدارة المخاطر، والسياسة المستنيرة هي التي تحاول تهدئة هذا الذعر، بينما السياسة الغوغائية هي التي تشعله لتتحكم في الجماهير.

​علاوة على ذلك، نجد أننا نعيش في عصر “الاستعراض الرقمي”، حيث تحول العقل من صياد في الغابة إلى صياد “للإعجاب” والقبول الاجتماعي. إن هذا العقل البدائي يرى في استبعادك من مجموعة على منصات التواصل الاجتماعي تهديداً يماثل طرد الفرد من قبيلته في العصور الغابرة، وهو الطرد الذي كان يعني الموت حتماً. لذا، تجد قلبك يخفق بشدة لمجرد تعليق سلبي، لأن عقلك القديم يظن أن “القبيلة” قد نبذتك وأنك ستموت وحيداً في العراء. إن فهم هذا الارتباط بين تاريخنا البيولوجي وواقعنا التكنولوجي هو الخطوة الأولى لاستعادة الهدوء. أنت لست مضطراً لإرضاء القبيلة العالمية، لأن بقاءك لم يعد معتمداً على رضا الغرباء خلف الشاشات.

​إن التحرر الحقيقي يبدأ بتغيير علاقتك بأفكارك؛ أن تدرك أنها مجرد “اقتراحات” يطرحها عليك جهازك العصبي، وليست أوامر مقدسة. عندما تداهمك فكرة سوداء، قف أمامها ببرود المحقق واسألها: “أين أدلتكِ المادية؟”. واجه “سيناريو الرعب” بالحقائق الباردة. تعلم أن تسمي الأشياء بمسمياتها؛ لا تقل “أنا فاشل”، بل قل “تراودني الآن فكرة بأنني فاشل”. هذه المسافة البسيطة في اللغة تخلق مساحة شاسعة للحرية في الروح. أنت لست الغيوم التي تعبر السماء، بل أنت السماء ذاتها التي تحتضن الغيوم وتسمح لها بالمرور دون أن تتغير طبيعتها الصافية.

​أيضاً، لا بد من ممارسة “رفق الصديق” مع الذات. نحن غالباً ما نمارس ديكتاتورية قاسية ضد أرواحنا، فنحاكم أنفسنا على أفكار خارجة عن إرادتنا. تعامل مع عقلك القلق كأنه طفل خائف يحاول حمايتك بطريقة خاطئة؛ لا توبخه، بل طمئنه بالمنطق. إن فلسفة العيش بسلام تتطلب منا التخلي عن رغبتنا المستحيلة في السيطرة على كل شيء. هناك أمور تقع داخل نطاق إرادتنا، وهناك أمور خارجها. القلق هو هدر للطاقة في محاولة تغيير ما لا يُغير. إذا ركزنا فقط على أحكامنا وأفعالنا، وتركنا ما تبقى للقدر أو للطبيعة، سنكتشف أن حملنا قد خفّ فجأة.

في النهاية، الحقيقة التي لا بد أن نعرفها هي أننا لا نحتاج لمعجزة حتى نعيش بسلام، ولا نحتاج لأن يتغير العالم من حولنا لكي نرتاح. كل ما نحتاجه هو “ثورة داخلية” صغيرة، نبدأ فيها بفرز الأفكار التي تدور في رؤوسنا. عندما تفهم أن عقلك أحياناً يؤلف قصصاً مخيفة فقط ليحميك، ستتعلم كيف تبتسم في وجه خوفك وتقول له: “شكراً على المحاولة، لكنني أعرف أنك مجرد فكرة ولست الحقيقة”.
هذا الوعي لا يحررك نفسيًا فقط، بل يجعلك عصيًّا على التلاعب؛ فالإنسان الذي لا ترعبه أفكاره، لا يمكن لأي خطاب أو سلطة أن تحكمه بالخوف.
إننا لا نبتسم لأن الحياة وردية، بل لأننا قررنا أن نخلع تلك النظارة السوداء التي أرهقت عيوننا لسنوات. تذكر دائماً، القلق مجرد ضيف ثقيل، وأنت لست الضيف.. أنت صاحب البيت. فلا تترك ضيفاً عابراً يفسد عليك سكينة بيتك وجمال حياتك. ابدأ اليوم برفق، وتعامل مع نفسك كأنك صديقك المفضل، وسترى كيف يتبدد الوهم ويشرق النور في قلبك من جديد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top