
شكّل التقرير الشهري الذي قدّمه قائد الجيش اللبناني أمام مجلس الوزراء محطة أساسية في مسار تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة، إذ رسم بوضوح معالم المرحلة الثانية من هذه العملية، القائمة على بسط السيطرة الشاملة وتجنّب أي مواجهة عسكرية قد تكون مدمّرة.
وقد عكس العرض توجهاً استراتيجياً واضحاً بأن الأولوية المطلقة هي الحفاظ على السلم الأهلي، بالتوازي مع استكمال بسط سلطة الدولة تدريجياً وفق خطة مدروسة تراعي التعقيدات الميدانية والسياسية واللوجستية.
وأكدت المعطيات التي عُرضت أن الخطة التي ينفذها الجيش تسير بثبات تصاعدي، وأن التقدّم الميداني يترجم من خلال تعزيز السيطرة العملانية وتوسيع نطاق انتشار الوحدات العسكرية في النقاط الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، برزت نقطة نقاش أساسية مع الولايات المتحدة وبعض الدول المعنية تتصل بعامل الوقت، إذ تدعو بعض المقاربات الخارجية إلى تسريع التنفيذ، بينما يؤكد الجانب اللبناني أن نجاح المهمة لا يمكن إخضاعه لجداول زمنية جامدة، لأن الإيقاع الميداني تحكمه الظروف الواقعية لا التقديرات النظرية.
ويُميّز المسؤولون اللبنانيون بين البطء الناتج عن ظروف موضوعية، والتباطؤ المتعمّد، مؤكدين أن القرار السياسي والعسكري واضح في المضي قدماً بتنفيذ الخطة، لكن ضمن مقاربة واقعية تحفظ الاستقرار وتؤمن نجاحاً مستداماً لا مرحلياً.
وتتداخل في هذا المسار عوامل خارجية عدة، أبرزها تعطل بعض الآليات الدولية المعنية بالتنسيق (الميكانيزم) وتأخر توفير الدعم المطلوب للجيش من حيث العتاد والتمويل، ما فرض إيقاعاً أبطأ، لكنه لا يغيّر من القرار الثابت بالمضي في التنفيذ وعدم التراجع.
في المقابل، تتداول بعض الأوساط السياسية والإعلامية قراءات عن تفاهم ضمني بين رئاسة الجمهورية وحزب الله حول توزيع الأدوار في المواقف، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن الجيش يواصل تنفيذ خطته يومياً، وأن السيطرة جنوب الليطاني أصبحت أمراً واقعاً ومعترفاً به من مختلف الجهات. هذه السيطرة لا تقتصر على الانتشار العسكري، بل تشمل القدرة على ضبط الأمن ومنع أي استخدام للسلاح خارج إطار الدولة.
ورغم وجود بعض مخلفات الحرب التي لا تزال قيد المعالجة، إلا أن المؤشر الأهم يتمثل في استقرار الوضع الميداني منذ 27 تشرين الثاني 2024، من دون تسجيل أي حادثة إطلاق نار، ما يعكس نجاح الجيش في فرض معادلة أمنية جديدة قائمة على الهدوء والاستقرار.
ويكتسب هذا الواقع أهمية إضافية لأن استدامة السيطرة العملانية تفتح الباب أمام تثبيت فعلي لحصرية السلاح بيد الدولة، شرط تأمين الدعم المالي واللوجستي الكافي لضمان استمرارية الجهوزية العسكرية.
في الخلاصة، القرار متخذ والخطة مستمرة، والسيطرة تتعزز تدريجياً، فيما يبقى التحدي الأساسي هو توفير الإمكانات الكفيلة بترسيخ هذا الواقع بشكل نهائي، بما يحصّن لبنان من أي انزلاق جديد نحو الحرب ويؤسس لمرحلة عنوانها الاستقرار وسيادة الدولة الكاملة على أراضيها
