سُرّة آدم: هل نسينا الحبل الذي يربطنا بالسماء؟

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لطالما كان السؤال طريفاً ومحيراً، وربما رآه البعض مجرد فضولٍ لا طائل منه: “هل كان لآدم سُرّة؟”. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى “فزورة” يتسلى بها الناس في سهراتهم، لكننا لو دققنا قليلاً، لوجدنا أننا أمام معضلة كبرى تشطر فهمنا للوجود الإنساني إلى نصفين.
​الفريق الأول يحسم الأمر ببساطة: “بالطبع لا!”. فآدم، في نظرهم، خُلق من طين بكلمة (كن) مباشرة، لم يمر بمرحلة الجنين، ولم يحمله رحم، ولم يربطه بأم حبلُ وريد. السرة بالنسبة لهؤلاء هي “أثر نقص” لا يليق بكمال الخلقة الأولى، وآدم هو النموذج الأكمل الذي لم يحتج لوسيط مادي يمنحه الحياة.
​أما الفريق الثاني فيرى المسألة بقلبه قبل عينه: “السرة هي طابع الجسد البشري”، وإذا كان آدم هو أصل البشر، فلا بد أن يحمل هيئتهم التي نعرفها. السرة هنا ليست مجرد “بقايا” عملية حيوية انتهت، بل هي “ختمُ هوية” وضعه الخالق ليقول لآدم ولذريته من بعده: “أنت كائنٌ صُمم للارتباط، ولست كائناً مقطوعاً من شجرة الوجود”.

​الصرخة الأولى وهزيمة “الأنا”

​بعيداً عن هذا الجدل التشريحي، دعونا نلمس المعنى الذي يختبئ تحت جلودنا. إن تلك السرة الهادئة في منتصف أجسادنا هي في الحقيقة الصرخة الأولى التي تعلن هزيمة “الفردانية المطلقة”. إنها الصك المادي الذي يخبرنا بوضوح أن الإنسان لا يبدأ من “الصفر” أبداً، بل يبدأ دائماً من “الآخر”.
​في عالمنا المعاصر، يرتفع ضجيجٌ يحاول إقناعنا بأن الإنسان “سيد نفسه المطلق”، وأنه كائن حر لدرجة أنه لا يدين لأحد بشيء. يروجون لصورة الإنسان “المكتفي بذاته”، الذي لا يحتاج لإله، ولا لمجتمع، ولا حتى لتاريخ يستند إليه. لكن السرة الموجودة في بطن كل واحد منا — غنياً كان أم فقيراً، جباراً في الأرض أم مستضعفاً — هي “وثيقة مديونية” لا تُمحى. إنها تنظر إليك في كل لحظة تأمل لتقول: “مهما بلغتَ من القوة، لقد كنت يوماً مجرد احتمالٍ ضعيف، موصولاً بغيرك، تستمد منه نبضك لكي لا تتوقف”.
​نحن “عقدة” من الروابط لا قطع غيار
​الإنسان ليس “قطعة غيار” خرجت من خط إنتاج في مصنع، بل هو كائن نبت في رحم. والفرق بين المصنع والرحم هو ذاته الفرق بين “الآلة” و”الإنسان”. الآلة تبدأ من الصفر؛ تُجمع أجزاؤها الجامدة وتبدأ بالعمل. أما الإنسان فيبدأ من “الصلة”.
​إن السرة هي العلامة التي تثبت أننا “كائنات علائقية” بامتياز. نحن لا نوجد أولاً ثم نبحث عن علاقات نملأ بها وقتنا، بل العلاقات هي التي تمنحنا الوجود أصلاً. فقبل أن تملك القدرة على النطق بكلمة “أنا”، كان هناك “آخر” يطعمك من دمه وجسده. وهذا الارتباط ليس علامة ضعف، بل هو سر العظمة الإنسانية. إن الإنسان الذي يظن نفسه “مستقلاً تماماً” هو كالشجرة التي قررت في لحظة غرور أن تتحرر من الأرض؛ فكانت نتيجتها “الحرية” في الجفاف والموت.
​السرة كبوصلة تشير إلى “المركز”
​كل شيء في هذا الكون يحتاج إلى “مركز” يدور حوله لكي لا يتبعثر. الجسد له مركز هندسي هو السرة، والروح لها مركز وجودي هو “الخالق”. عندما نفقد الوعي بهذا المركز، يصيبنا التيه.
​الحياة الحديثة اليوم تبذل جهداً هائلاً لمحاكاة إنسان “بلا سرة” معنوية، أي لمحاولة محو أثر الافتقار والحاجة من نفوسنا. تريدنا أن نعيش كذرات هائمة، نستهلك ونعمل دون أن نتوقف لنسأل: “من أين جئنا؟ وإلى من ننتمي؟”. إنهم يريدون إنساناً بلا “حبل سري” يربطه بالقيم المتعالية، ليكون من السهل استعباده للمادة.
​لكن الإنسان الذي يعي جوهره هو من ينظر إلى هذه السرة فيتذكر تواضعه الأصيل. إنها تذكره بأن استقلاله ليس انفصالاً موحشاً، بل هو “نموٌ بداخل الجماعة”. نحن أحرار، نعم، ولكنها حرية “الابن” الذي يعرف جذوره، وليست حرية “اللقيط” الوجودي الذي تتقاذفه رياح العدمية.

​كمالنا في “ارتباطنا” الجميل

​سواء كان لآدم سرة أم لم يكن، فإن الجوهر الذي يجب أن نتمسك به هو أن “الكمال الإنساني” لا يكمن في الاكتفاء بالذات، بل في شجاعة الاعتراف بالاحتياج.
​الإنسان الذي يزعم أنه لا يحتاج لأحد هو شخص يعيش خلف قناع من الزيف.
​الإنسان الذي يظن أنه أوجد نفسه من العدم هو غارق في وهمٍ مدمر.
​إن السرة هي “توقيع الخالق” على طيننا الإنساني، رسالة صامتة تقول: “لقد بدأتَ بي، ومني استمددت حياتك، وإليّ مرجعك”. إنها الرابط الخفي الذي يجعل البشرية جمعاء “عائلة واحدة”؛ فكلنا نحمل نفس العلامة، وكلنا عبرنا من بوابة ذلك الرحم الكوني الواحد.

عُد إلى أصلك

​أيها الإنسان، لا تغرنك الآلات التي تصنعها، ولا يخدعنك استقلالُك الزائف. انظر إلى تلك السرة في وسط جسدك، واعلم أنك كائن “موصول”. إن عظمة روحك تبدأ فعلياً حين تدرك أنك لست وحدك، وأن قصتك لم تبدأ من الصفر. لقد بدأت بلمسة حنان، وبحبل وريد، وبنفخة غيبية أودعت فيك السر.
​حريتك الحقيقية ليست في تحطيم الروابط، بل في أن تختار الرابط الأسمى الذي يشدك نحو السماء، لتبقى دائماً إنساناً “ذا أصل”، لا مجرد رقمٍ تائه في زحام المادة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top