
في ظل التحولات العسكرية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة، يتقدم ملف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى واجهة المشهد السياسي، وسط مؤشرات تفيد بأن السلطة اللبنانية لم تعد تتعامل مع فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل بوصفها محرّماً سياسياً أو نفسياً، بل كأحد الخيارات الواقعية المطروحة لإخراج البلاد من دائرة الحرب المفتوحة وترسيخ الاستقرار على المدى الطويل.
هذا التوجه يستند أيضاً إلى قراءة تاريخية تشير إلى أن مبدأ التفاوض المباشر ليس سابقة جديدة في العلاقة بين الطرفين. فقد شكّلت لجنة مراقبة الهدنة التي أُنشئت عام 1949 إطاراً لتواصل مباشر ومتواصل بين لبنان وإسرائيل، كما شهدت خمسينات القرن الماضي أشكالاً من التواصل غير المباشر أو المنظم، في ظل رعاية هذه اللجنة لأنشطة مشتركة، ما يعكس أن الإشكالية لم تكن يوماً في مبدأ التفاوض بحد ذاته بقدر ما كانت مرتبطة بالظروف السياسية والنتائج المتوقعة.
وفي هذا السياق، تعتبر أوساط سياسية أن ثمة رواية داخلية ترسّخت لدى الرأي العام اللبناني توحي بأن أي تواصل مباشر مع إسرائيل يشكّل سابقة غير مألوفة، في حين أن الوقائع التاريخية ومسارات التفاوض، ولا سيما الاجتماعات التي عُقدت في الناقورة منذ عام 2006، تظهر أن قنوات التواصل لم تنقطع بالكامل.
لكن العقدة الأساسية بالنسبة للسلطة اللبنانية لا تتعلق بشكل التفاوض أو مكانه، بل بالمضمون الذي يجب أن يؤطر أي مسار تفاوضي محتمل. فالموقف الرسمي يقوم على مجموعة عناوين مترابطة تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم الحدودية، وإطلاق الأسرى، وصولاً إلى إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة للمناطق المتضررة.
وقبل كل ذلك، يشدد لبنان على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل يكرّس وقفاً نهائياً لإطلاق النار، وليس مجرد هدنة مؤقتة أو وقف للأعمال العدائية قابل للانهيار. وترتبط هذه المطالب بملف حصرية السلاح وبسط سيطرة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحدودها، باعتبار أن أي تسوية لا تعزز سيادة الدولة تبقى ناقصة وقابلة لإعادة إنتاج الأزمة.
وتشير المعطيات إلى أن عدداً من الوسطاء الإقليميين والدوليين أبدوا استعدادهم للعب دور تسهيلي في حال توافرت الظروف المناسبة للتفاوض، في ظل استمرار المماطلة من الجانب الإسرائيلي. وقد طُرحت عدة صيغ لاستضافة مفاوضات مباشرة في دول مثل قبرص وفرنسا والأردن ومصر وقطر، على قاعدة أن الإشكالية اللبنانية لا تتعلق بالمكان بل بضمان إدراج القضايا السيادية والإنسانية والاقتصادية ضمن جدول أعمال واضح وملزم.
في المقابل، لا يزال الملف اللبناني يحظى باهتمام أميركي ملحوظ رغم انشغال واشنطن بملفات دولية أخرى. وتشير مصادر متابعة إلى أن الولايات المتحدة أرسلت، خلال العام الماضي وحتى اندلاع الحرب الأخيرة، نحو 18 وفداً سياسياً وأمنياً واقتصادياً إلى بيروت، في مؤشر إلى استمرار المساعي لتفادي انهيار شامل أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
غير أن النقطة الأكثر حساسية تبقى في مستوى التفاهم الداخلي بين أركان السلطة اللبنانية. فالمعطيات تفيد بأن الرؤساء الثلاثة متفقون من حيث المبدأ على خيار التفاوض، لكن الخلاف يتمحور حول ترتيب الأولويات: هل ينبغي أولاً تثبيت هدنة أو وقف لإطلاق النار يمهد للتفاوض، أم أن وقف النار يجب أن يكون جزءاً من تسوية شاملة تُبحث على طاولة المفاوضات.
هذا النقاش يعكس تبايناً في قراءة موازين القوى وتقدير المخاطر، كما يعكس محاولة لتفادي تكرار تجارب سابقة شهدت تثبيت هدن مؤقتة من دون معالجة جذور النزاع.
وبذلك، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الفرص الدبلوماسية، حيث يبدو خيار التفاوض المباشر أكثر واقعية من أي وقت مضى. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على توحيد موقفها الداخلي، وبمدى استعداد الوسطاء الدوليين لتقديم ضمانات عملية، إضافة إلى استعداد إسرائيل للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث في تسوية شاملة تعيد رسم قواعد الاستقرار على الحدود الجنوبية
المصدر: داوود الرمال الأنباء الكويتية
