
بقلم خالد صالح
وسقط “حزب الله” في المحظور وفقد “الهوية اللبنانية” بالكامل .. بعدما حاول جاهدًا لعقود الادعاء أن تبعيته لـ “إيران” هي من باب الدعم العسكري والملاي والمساندة فقط، ليظهر في الحرب المشتعلة حاليًا أنه “فصيل” يتبع “الحرس الثوري” بقدّه وقديده، خصوصًا بعد اغتيال أمينه العام السيد حسن نصرالله، الذي كان بمثابة “حلقة الوصل” بين “قشرته” اللبنانية و “مضمونه” الإيراني .
أظهرت التطورات التي نشهدها بأم العين يوميًا، إلى أيّ مدىً تظهر حقيقة الحزب الإيرانية بهذا الوضوح، وإلى أيّ مدىً أيضًا تظهر “لبنانيته” الهشّة، بعدما فقد كلّ مؤثراته اللبنانية بسبب الخيارات السياسية والعسكرية التي أظهرها في أعقاب الضربات القاسية التي تعرّضت لها البنية القيادية لـ”حزب الله” عام 2024، وأظهرت أيضًا عن تحرّك واسع النطاق لقادة الحرس الثوري الإيراني لإعادة صياغة العقيدة القتالية للحزب، وسد الثغرات التي خلّفها اغتيال أمينه العام وعدد كبير من القادة.
الحرب المدمرة الطاحنة التي نشهد فصولها على أرضنا كشفت عن اضمحلال “الوجه اللبناني” للحزب فلم تعد الحسابات اللبنانية، سياسيًا وعسكريًا، على أجندته، فظهرت الإدارة الإيرانية له بشكل جلي، فمن يقود المعارك اليوم هم ضباط الحرس الثوري بشكل مباشر، لأن البنية الهرمية اللبنانية قد تعرّضت للتصفية، وهؤلاء الضباط يتصرفون وكأن “لبنان” ولاية إيرانية قولا وفعلًا، ومن بقي من القيادات اللبنانية هم كـ “الرصاص الخلّبي”، أصواتٌ للفرقعة من دون أي تأثير .
المرحلة الحالية التي نشهد تبعاتها أظهرت أن تدخل الحرس الثوري لم يعد يقتصر على المساندة اللوجيستية، إذ أن “الفراغ” الموجود في هرمية القيادة في حزب الله يتطلّب تدخلًا مباشرًا والإشراف الدقيق على هرمية القيادة لاسيما في الجناح العسكري، لأن الحرس الثوري يُدرك أن الحزب يعيش حاليًا تحدّيات وجودية تتجاوز مسألة فقدان القادة اللبنانيين وصولًا إلى إعادة تثبيت الهوية المستلحقة به كـ “جدار صلب” في المواجهة الاقليمية المندلعة حاليًا .
لم تنفع الاطلالات المباشرة لبعض القيادات “اللبنانية” للحزب في مواربة الفراغ الحاصل، فالخطاب الذي اعتمد بالاستناد إلى فائض القوة لم يعد نافعًا، ولا التلويح بالويل والثبور وعظائم الأمور ” جايينلكن بعد الحرب” عاد يثير حفيظة اللبنانيين الذين ازدادوا قناعة أن لاصلة وصل تربطهم بـ “حزب الله” لبنانيًا، وأن “الحرس الثوري” هو من يتحكّم بزمام الأمور، بالنظر إلى حجم الخسائر التي مني بها في لبنان، لذلك فإن عملية الاصلاح الجارية حاليًا تعتبر الأعمق والأكثر شمولية وتهدف بالمقام الأول إلى استعادة دفة القيادة على المستوى الداخلي .
هذه العملية برمتها هي نتيجة “الفراغ” الكبير الذي تسبب به غياب السيّد حسن نصرالله، فالأمين العام الراحل لم يكن قائدًا فحسب، بل شكل على مدى عقود الصورة اللبنانية لسياسة إيران في لبنان، وباغتياله سقطت هذه الصورة وسقط معها “الجدار” الذي يتلطى خلفه “الحرس الثوري” لتبدأ مرحلة مختلفة من ممارسات الحزب في لبنان بإشراف مباشر من “فيلق القدس” الذي يعتبر الراعي المباشر لأنشطة حزب الله، وقد ظهر هذا الأمر واضحًا في إدارة العملات العسكرية التي أكدت أن الأوامر العسكرية في لبنان تأتي من طهران مباشرة .
وخلافًا لكل الأعراف الديبلوماسية، ونتيجة اعتبار لبنان ملحقًا لها، تصرّ إيران على التعامل مع لبنان وفق هذا المنظور، لأنها تُدرك أن “حزب الله” 2026 يختلف عن “حزب الله” ما قبل الـ 2023، لذلك ضربت قرار الحكومة بشان رفض اعتماد سفيرها وأصرّت على بقائه بتعنت يُشكل سابقة على هذا الصعيد، وهذا مؤشر خطير في كيفية التعامل الإيراني مع الدولة اللبنانية قاطبة .
لذلك ووفقًا لما سبق، فإن “حزب الله” يرى الأمور من منظار قادته الجدد بأن الأولوية هي طهران وأن العمل يجب أن يكون خدمة لمصالحها خصوصًا في الحرب الدائرة اليوم، بعيدًا عن تطلعات الدولة اللبنانية وقادتها، ولعل لغة التخوين المقيتة التي يستعملونها تؤكد أنهم لايقيمون وزنًا لهذا الوطن ولا لأهله ومكوناته السياسية والاجتماعية، فما يتعارض مع المفاهيم الإيرانية يقع في خانة “العمالة” وبالتالي فإن نسبة تزيد عن 70% من اللبنانيين عملاء وخونة، وقد تجلّى هذا الأمر على لسان دعاة الإعلام الممانع الذين تجرأوا بشكل فاضح على تقديم مصلحة إيران على لبنان ..
إذن سقطت آخر الأقنعة عن “حزب الله” وصارت ناصيته بالتمام والكمال بيد الحرس الثوري الإيراني، سياسيًا وعسكريًا، وهذا الأمر مدعاة فخر بالنسبة للبقية الباقية من قادته السياسيين، أما “أمر اليوم” عسكريًا فهو لضباط فيلق القدس الذين يقودون المعارك على الأراضي اللبنانية، وباتت المؤثرات الإيرانية هي التي تتحكم بتصرفاته، وخرج لبنان الدولة من عقيدته، والفراغ الذي شكله غياب القادة اللبنانيين خلال السنتين الفائتتين ملأه الحرس الثوري بشكل أكيد، وكأني بهم يقولون : الهوية اللبنانية لم تعد تعنينا !! .
