
بقلم الياس عيسى الياس
تطل بيروت اليوم من نافذة القلق، ليس خوفاً من تصعيدٍ ميداني مألوف فحسب، بل من ارتباك في الوعي الوطني تجاه ركائز كياننا التعليمي. فحين تصبح الجامعات العريقة، التي وُجدت لتكون ملتقى العقل ومنصّة الحوار، مادةً في بيانات التحذير الدبلوماسية أو هدفاً لخطابات التشكيك، نكون قد انتقلنا من أزمة أمنية عابرة إلى مواجهة وجودية تضرب جوهر الدور اللبناني.
جاء التحذير الذي أطلقته السفارة الأمريكية بالأمس حول نية استهداف جامعات كبرى، ليتقاطع مع قراءات إعلامية حاولت “شرعنة” فكرة استباحة هذه الصروح تحت ذريعة الصراع. وهنا يبرز تساؤلٌ محوري: هل يدرك من يختزلون الجامعات في أبعادها السياسية أنهم يستهدفون، في الواقع، الذاكرة الجماعية والمستقبل الوطني؟
لقد نهضت فكرة لبنان الحديث على ركنين: الحرية والمعرفة. وفي قلب هذا المشرق، شكلت الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) وجارتها اللبنانية الأمريكية (LAU) الجسر الذي عبر عليه العقل نحو الحداثة. هذه المؤسسات ليست مجرد مبانٍ إدارية، بل هي ذاكرة شارع “بلس” وصخب الحياة في “الحمرا”، هي المقاهي التي احتضنت نقاشات رواد النهضة، والممرات التي سار فيها قامات مثل شارل مالك وقسطنطين زريق، وهم يضعون مسودات الفكر العربي والكوني.
قد يرى البعض، في سياق التجاذبات الإقليمية، أن هذه المؤسسات مرتبطة بنفوذ خارجي. لكن هذا المنطق يغفل حقيقة بنيوية؛ فهذه الجامعات باتت، عبر عقود من الاندماج، “وقفاً لبنانياً” بامتياز. هي بيئات وطنية تحتضن آلاف الطلاب من عكار إلى الناقورة، وتقدم أحدث الخدمات الطبية في مراكزها الاستشفائية لكل اللبنانيين دون سؤال عن هوية. لذا، يمثل أي تهديد لها اعتداءً مباشراً على الأمن القومي والاجتماعي قبل أن يكون استهدافاً لجهة أجنبية.
يعكس الخطاب الذي يمهد “نفسياً” لفكرة استهداف الحرم الجامعي حالة من الاغتراب المريب عن المصلحة الوطنية العليا. فحين تتحول لغة النيل من المؤسسات التعليمية إلى مادة للتحريض، ننزلق نحو عجزٍ أخلاقي يهدد آخر ميزات لبنان التفاضلية. إن تغليب الأجندات العابرة للحدود على قدسية الصرح الأكاديمي يؤدي حتماً إلى “تصحير” لبنان ثقافياً وتجهيله ممنهجاً.
لبنان، في حقيقته العميقة، هو “قيمة فكرية”. وإذا خسرنا جامعاتنا، نكون قد خسرنا مبرر وجودنا كرسالة حضارية. التهديدات التي تلوح في الأفق اليوم تجسد صراعاً بين منطق “الدولة-المؤسسة” القائم على التميز، ومنطق “الساحة” الذي لا يرى في الوطن إلا صندوق بريد لرسائل القوى المتصارعة.
يبقى الرهان الوحيد لنا كأحرار، في قدرتنا على عزل صروحنا التعليمية عن أتون الصراعات. فالحرية مسؤولية تجاه الحق أولاً، والارتهان لخطاب التحريض ضد العلم هو انتحار ذاتي يخدم فقط من يريد تحويل لبنان إلى بيئة منغلقة ومظلمة.
الأمر ليس تفصيلاً عابراً
ليكن هذا الكلام صرخة في ضمير كل لبناني: احموا جامعاتكم، فهي الحصن الأخير الذي يفصلنا عن السقوط في هاوية التجهيل. التاريخ لن يرحم من فرط في “عقله” استرضاءً لضجيج القوة العابرة. ومن يخاصم العلم، إنما يخاصم لبنان نفسه… لا مؤسساته فقط، بل معناه.
