بقلم جوزاف وهبه

تختصر بيروت، بقلق ناسها وأحاديث مقاهيها وتصاريح نوّابها، ما ينتظرها في اليوم التالي للحرب الكبرى الدائرة من طهران إلى تل أبيب، إلى عواصم الخليج العربي، بسؤال لا جواب له:ماذا بعد؟..

ماذا بعد نزوح أكثر من مليون جنوبي، والحبل على جرّار باقي المدن والبلدات والقرى التي لم يطلها، بعد، القصف والموت والدمار، وعلى جرّار مناطق بعلبك والبقاع إذا ما توسّع القتال، وسيتوسّع..بفضل صواريخ حزب الله وقواعد الحرس الثوري الإيراني المتمركزة هناك في تلك المناطق؟
ماذا بعد انتهاء الحرب المعروفة النتائج سلفاً (رغم البطولات الفرديّة، ورغم أهازيج النصر، ورغم الإكثار من مصطلحات الإرتقاء والسعيد والشهيد وأحضان الحسن والحسين..) في ما ستخلّفه من قرى ممسوحة عن وجه الأرض، ومن آلاف الضحايا (حتى الساعة حوالي 1500 شهيد)، ومن الأرامل والأيتام، والبطالة والمصانع المدمّرة والمصالح المتعثّرة، ومن النازحين الذين لا بدّ أن يصطدموا بالسؤال الجنبلاطي التاريخي: إلى أين؟
نعم. إلى أين سيتوجّه هؤلاء النازحون الذين باتوا بلا مأوى ولا عمل ولا سقف.. وحتّى بلا قضيّة بالرغم (ربّما) من استمرار معزوفة الشهادة وفدا السيّد وكربلاء وكلّ مآسي ومآثر التاريخ الغابر؟ إلى أين، سيتوجّه هؤلاء وقد باتوا بلا جغرافيا، والتي باتت بالنسبة لقيادة الحزب هامشيّة وفق تعبيرهم المستجد “لا يهمّ التشبّث..” كما ورد في أحد بياناتها، للتخفيف من تأثير خسارة الأرض، أمام وطأة التوغّل الإسرائيلي متراً متراً، قريةً قريةً، تلّةً تلًة، وبلدةً بلدة؟..

واضح أنّ قيادة الحزب لا تحسب نزوح “البيئة الحاضنة” خسارة أو مشكلة تحتاج إلى مراعاة وحلّ، تماماً كما جاء في خطاب الأمين العام نعيم قاسم الذي اعتبر النزوح القسري إلى مدرسة أو خيمة أو رصيف “نوعاً من أنواع الجهاد المقدّس” ليس إلّا.إذاً، لا اعتبار للمليون، أكانوا خارج الجنوب أو خارج الضاحية.

ولكنّ حسابات الحزب لا تطابق حسابات أهالي بيروت الذين يتوجّسون من هذه الكثافة السكّانيّة الداهمة، بعد أن كانت الضاحية -فيما مضى – مجرّد شارع أو حيّ وتحوّلت إلى مساحة شاسعة بفعل التمدّد السكاني التدريجي، ما ساهم ويساهم في تعقيد ديموغرافيّة العاصمة الأولى:فهل تحتمل تبدّلاً سكّانيّاً آخر؟..

الصرخة علت من شوارع بيروت تحت عنوان “الأمن”. ولكن ما يُقلق فعلاً البيروتيّين إنّما هو أبعد من الأمن، وصولاً إلى الهويّة المذهبيّة من جهة، وإلى الهويّة الثقافيّة من جهة أخرى. فبيروت (الطبيعيّة) لا تزال رغم كلّ ما شهدته من أحداث وتحوّلات تعيش نوعاً من الإنفتاح وحرّية التعبير الأقرب إلى الغرب منها إلى ما تنحو إليه ثقافة الولي الفقيه والمهدي المنتظر وملالي إيران.بيروت تنبض فنّاً وموسيقى ليست من رجس الشيطان، وما يمكن أن تدفعها إليه الكثافة البشريّة الوافدة يعاكس ذلك تماماً.بيروت أقرب إلى السعوديّة والخليج العربي، والبيئة الطارئة تهلّل للصواريخ والمسيّرات التي تدكّ مدن ومرافق المملكة والكويت والإمارات ودبي وقطر…

بيروت تشعر بالخوف..بالتأكيد.بيروت متوجّسة..دون شكّ.بيروت تحتمي بالدولة، ولكن يبدو أنّ ذلك لا يكفي.فالدولة تظهر عجزاً لافتاً وضعفاً ووجوداً لا يزال خجولاً ليس بمستوى التحدّي الداهم، خاصّة وأنّ قيادات الحزب والحرس الثوري الإيراني يرون في مباني وشقق بيروت ملجأً لهم قد يقيهم صواريخ إسرائيل، تماماً كما جرى مؤخّراً (وليس أخيراً..) في غارة عين سعادة.هم لا يُقيمون وزناً لأهلهم، فكيف لهم أن يُقيموا وزناً للآخرين؟..

“بيروت عم تبكي..”، هذا عندما اغتال تحالف إيران – الأسد الرئيس الشهيد رفيق الحريري لأنّه كان قلقاً على مصير البلد من هذا التحالف..وبيروت اليوم “قلقة” من هذا النزوح السكّاني لئلّا يتحوّل إلى واقع جديد وثقيل يصعب الخلاص منه دون عمليّة قيصريّة لا يمكن توقّع تداعياتها..ولهذا على جميع القوى أن تصرخ مع بيروت وأهلها:وينيّة الدولة القويّة (لا المتردّدة)..وحدها يمكن أن تمدّ حبل الخلاص للوطن، وإلّا على الدنيا السلام، بكلّ ما تحمله هذه التعابير من دمار وصراعات ومزيد من التفكّك في الوحدة الوطنيّة الهشّة!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top