كيف برّر المجلس الدستوري تمديدالإنتخابات النيابية وامكانية تقصيرالمهل بالبرلمان؟

بقلم ندى جوني

أثار قرار المجلس الدستوري اللبناني بردّ الطعون وتثبيت قانونية التمديد لولاية مجلس النواب اللبناني جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدستورية، لا سيّما أنّه جمع بين الإقرار بضرورة التمديد في ظل الظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان بعد اندلاع الحرب مجدداً بين حزب الله واسرائيل، والتأكيد في الوقت نفسه على أنّ تقصير هذه الولاية يشكّل موجبًا وطنيًا ودستوريًا عند انتفاء الأسباب التي فرضته.

فتح هذا التوازن الدقيق في القرار على تساؤلات عميقة حول حدود دور المجلس: هل اكتفى بتكريس واقع فرضته الضرورة، أم أنّه وضع التزامًا ضمنيًا على السلطة التشريعية لإعادة تصحيح المسار فور تحسّن الظروف؟

ويتركّز الجدل بشكل أساسي حول حيثيات القرار، خصوصًا لجهة عدم تحديد مهلة زمنية واضحة لتقصير التمديد، خلافًا لاجتهادات سابقة شدّدت على ضرورة حصره ضمن فترة معقولة ومحدّدة.
وبين من يرى في هذا التوجّه مرونة دستورية تواكب تعقيدات المرحلة، ومن يعتبره تراجعًا عن معايير سابقة قد يفتح الباب أمام تمديد مفتوح عمليًا، يبقى السؤال الأبرز: هل تحوّل تقصير الولايةإلى التزام ملزم فعليًا، أم إلى توصية سياسية قد تبقى رهينة حسابات مجلس النواب اللبناني وظروفه؟

خالد خير: قرار المجلس الدستوري اللبناني حكيم منع الفراغ وكرّس التمديد كضرورة استثنائية مؤقتة

اعتبر مدير كلية الحقوق – الفرع الثالث الخبير الدستوري الدكتور خالد الخير أنّ قرار المجلس الدستوري اللبناني بردّ الطعون المتعلّقة بتمديد ولاية مجلس النواب اللبناني جاء متوقّعًا من حيث مضمونه ومنطقه، واصفًا إيّاه بـ”الحكيم والمنصف”، إذ نجح في تحقيق توازن دقيق بين احترام الأصول الدستورية من جهة، ومراعاة الواقع الاستثنائي الذي يمرّ به لبنان من جهة أخرى.

وأوضح الخير أنّ المجلس أعطى الأولوية للمصلحة الوطنية العليا، ولضرورة الحفاظ على استمرارية عمل المؤسسات الدستورية والمرافق العامة، متفاديًا بذلك الوقوع في فراغ تشريعي كان من شأنه أن يفاقم الأزمات القائمة.

وأشار الخير إلى أنّ القرار استند بشكل واضح إلى مبدأ الظروف الاستثنائية، وهو مبدأ معترف به في الفقه الدستوري، يسمح باتخاذ تدابير مؤقتة تخرج عن القواعد العامة في حالات الضرورة القصوى. إلا أنّه لفت في الوقت نفسه إلى أنّ المجلس لم يسقط مبدأ الشرعية الدستورية، بل أكّد عليه في حيثيات قراره، معتبرًا أنّ التمديد ليس قاعدة بل استثناء، وأنه يبقى إجراءً مؤقتًا يزول بزوال أسبابه.

وفي هذا السياق، شدّد الخير على أهمية ما ورد في القرار لجهة اعتبار تقصير الولاية الممدّدة موجبًا وطنيًا ودستوريًا فور انتفاء الظروف الطارئة، معتبرًا أنّ هذه العبارة تحمل دلالة سياسية ودستورية عميقة، إذ تبقي على جوهر العملية الديمقراطية، وعلى مبدأ دورية الإنتخابات واحترام المهل الدستورية، حتى في ظل تعليقها المؤقت.

وأضاف أنّ المجلس، بهذا الطرح، لم يكتفِ بردّ الطعون، بل رسم إطارًا واضحًا للمرحلة المقبلة، محدّدًا نقطة نهاية التمديد بزوال الظروف التي فرضته.

وتوقّف الخير عند مسألة إجراء الانتخابات، معتبرًا أنّها لا يمكن أن تتمّ بصورة سليمة وشفافة إلا في ظل حدّ أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.

وأوضح أنّ الواقع اللبناني الحالي، في ظل تداعيات الحرب، لا يوفّر هذه الشروط، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من المهجّرين، لا سيما من مناطق الجنوب، ما ينعكس خللًا واضحًا في مبدأ المساواة بين الناخبين، سواء على المستوى الأمني أو الطائفي أو الاجتماعي. كما أشار إلى أنّ غياب البطاقة الانتخابية الممغنطة، وحتى في حال إقرارها، لا يعالج جوهر المشكلة المرتبطة بعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين في ظل هذه الظروف، ما يجعل إجراء انتخابات عادلة أمرًا صعب التحقيق في المرحلة الراهنة.

وفي ما يتعلّق بعدم تدخّل المجلس الدستوري اللبناني في تحديد مدة التمديد التي أقرّها مجلس النواب اللبناني، رأى الخير أنّ هذا الموقف يعكس احترام المجلس لحدود صلاحياته الدستورية، وعدم رغبته في الحلول محل السلطة التشريعية. واعتبر أنّ هذا الخيار، وإن كان يفتح باب النقاش، يبقى مستحبًا في ظل الظروف الاستثنائية، لأنّه يحافظ على مبدأ الفصل بين السلطات، ويترك للمشرّع هامش تقدير يتلاءم مع تطوّر الأوضاع.

ولفت إلى أنّ الاجتهادات السابقة للمجلس كانت تميل إلى تقييد التمديد بمهل زمنية محددة ومعقولة، إلا أنّ السياق الحالي يختلف جذريًا من حيث حجم التحديات وتعقيدها، ما يبرّر، برأيه، القبول بتمديد أطول يتناسب مع الواقع الاستثنائي الذي يعيشه البلد، دون أن يُعدّ ذلك خروجًا جوهريًا عن المبادئ الدستورية.

وختم الخير بالتأكيد على أنّ المجلس الدستوري اللبناني مارس في هذا القرار سلطته التقديرية بشكل متوازن، مستندًا إلى معطيات واقعية وراهنة، معتبرًا أنّ التمديد قد يستمر عمليًا حتى نهاية مدته طالما استمرت الظروف الاستثنائية. لكنه شدّد على أنّ الالتزام الدستوري يبقى قائمًا، بحيث يتوجب على كلّ من الحكومة ومجلس النواب اللبناني، فور زوال هذه الظروف، المبادرة دون أي تأخير إلى تقصير الولاية الممدّدة عبر إقرار قانون جديد، والدعوة إلى انتخابات نيابية تعيد تفعيل الحياة الديمقراطية وتكرّس مبدأ تداول السلطة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top