روسيا تدخل معادلة التهدئة: دور بوتين يتقاطع مع حسابات ترامب في رسم مسار التسويات.

تتقاطع المعطيات الدبلوماسية عند قراءة مفصلية لمسار التهدئة الإقليمية، تشير إلى أن تلميح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن «شخصية مهمة جدًا» نصحته بقبول وقف إطلاق نار مؤقت مع إيران لمدة أسبوعين، لم يكن عابرًا، بل يحمل دلالات على دور مباشر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الدفع نحو خيار التهدئة كمدخل لإعادة ترتيب المسارات التفاوضية.

وبحسب هذه القراءة، يضع هذا التطور موسكو في موقع الشريك الفعلي في إدارة المرحلة الانتقالية بين التصعيد والعودة إلى المفاوضات، متجاوزًا حدود التنسيق التقليدي إلى مستوى التأثير في القرار الأميركي.

وتشير الأوساط إلى أن هذا الدور الروسي يأتي ضمن سياق أوسع من إعادة تموضع القوى الكبرى في الشرق الأوسط، حيث تمكنت روسيا، بدعم من الصين، من فرض نفسها كطرف أساسي في معادلة الوساطة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، ومن قدرتها على طرح تسويات مرنة تتقاطع في جوانب عديدة مع المصالح الأميركية.

في المقابل، لا تبدي واشنطن اعتراضًا جوهريًا على هذا الحضور الروسي – الصيني، بل تتعامل معه ببراغماتية تخدم مصالحها الاستراتيجية. إذ يرى ترامب في إشراك موسكو وبكين فرصة لتقاسم أعباء التسويات وتعظيم المكاسب السياسية والاقتصادية، بدل الانخراط الأحادي المكلف.

وفي هذا السياق، تبرز دلالات الانفتاح الأميركي على الدور الروسي في ملفات إقليمية حساسة، من بينها لبنان، سواء في ما يتعلق بوقف إطلاق النار أو الدفع نحو مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، استنادًا إلى خبرة موسكو في إدارة مسارات السلام، لا سيما عبر مشاركتها في الجهود الدولية منذ مؤتمر مدريد.

ولا يقتصر الأمر على القبول الأميركي، بل يعكس تقاطعًا ضمنيًا في المصالح، حيث يساهم تعدد الوسطاء في تخفيف الضغط عن واشنطن ومنحها هامش مناورة أوسع، خصوصًا في ظل العلاقة الشخصية التي توصف بالودية بين ترامب وبوتين، والتي تساعد في احتواء التباينات.

وتستدل الأوساط على ذلك من خلال التعاطي الأميركي الهادئ مع الفيتو الروسي – الصيني في مجلس الأمن الدولي بشأن مشروع قرار مرتبط بـمضيق هرمز، حيث لم يُقابل بتصعيد، بل اعتُبر مدخلًا لنقل النقاش إلى طاولة التفاوض في إسلام آباد ضمن صيغة تقوم على مبدأ «رابح – رابح».

انطلاقًا من هذه المعطيات، ترى الأوساط الدبلوماسية أن أمام لبنان فرصة للاستفادة من هذا التحول عبر توسيع شبكة علاقاته الدولية، خصوصًا مع موسكو، بما يعزز موقعه التفاوضي ويؤمّن له دعمًا متعدد الأقطاب.

وتخلص هذه القراءة إلى أن المرحلة الحالية تشهد إعادة توزيع للأدوار بين القوى الكبرى، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على احتكار مسار التسويات. وبينما تكرّس روسيا والصين حضورهما على طاولة القرار، تواصل واشنطن إدارة هذا التوازن بما يخدم مصالحها، ما يفتح أمام لبنان هامشًا لإعادة التموضع، شرط حسن استثمار هذه التحولات في اتجاه تحقيق معادلة متوازنة تحفظ سيادته وحقوقه.

المصدر: نداء الوطن.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top