
بقلم جوزاف وهبه
ما الذي دفع رئيس تيّار المردة سليمان فرنجيّة إلى العودة المفاجئة لما يُسمى “الخطّ”، بقوله “إذا ربح خطّنا تطير الحكومة، وإذا ربح خطّهم تبقى الحكومة”، علماً بأنّ هذا المصطلح كان اعتبر قد مضى إلى غير رجعة مع السقوط الدراماتيكي لنظام “الأب الروحي” لهذا الخطّ بشّار الأسد، ومع الإغتيال المثير “للحاضنة العسكرّية” له ممثّلةً بالأمين العام الراحل حسن نصرالله؟
من خارج السياق العام، جاء كلام فرنجيّة، تاركاً الكثير من التساؤلات التي ربّما تحتاج إلى “منجّم فارسيّ” كي يفك رموزها وطلاسمها..ولكن، فلنحاول فكفكة الإحتمالات الممكنة:
تزامن كلام فرنجيّة الأب مع ما تردّد عن “سيناريو إنقلاب” كان يُعدّ له حزب الله لإسقاط الحكومة والحكم في الشارع، تحت شعار “النصر الإلهي الجديد” رغم “أنف” أكثر من مليون نازح، ومئات الشهداء وآلاف الجرحى والمدن والبلدات والقرى الحدوديّة المُبادة..ولكن سرعان ما تبخّر هذا الإحتمال مع صمود أركان الدولة، والتصعيد السياسي في وجه محور الممانعة، وصولاً إلى عقد أوّل لقاء تفاوض مباشر في واشنطن، ما بين سفيرة لبنان في أميركا ندى حماده معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، بالتزامن مع ضعف حجم الحشود المحاصرة للسراي الحكومي تحت شعارات “صهيوني صهيوني”، ما جعل الجيش اللبناني ينتقل من الحياد إلى التحذير من المساس بالسلم الأهلي، وما جعل الطائفة السنّية (وباقي الطوائف المعارضة لنهج وخيارات الحزب) تستنفر وتستعدّ لكلّ أشكال المواجهة..وقد انتهت الجولة بإعلان مشترك للثنائي الشيعي بالإنسحاب من الشارع ودعوة مناصريهم للهدوء والإنكفاء:فهل جاء كلام فرنجية في سياق “وهم” استيلاء محور إيران على السلطة السياسيّة في لبنان، وهو شأن شبه مستحيل في ذروة التصعيد الأميركي والتوحّش الإسرائيلي، إذا صحّ التعبير؟
كان يمكن أن تصحّ “تمنّيات” فرنجيّة لو أنّ طهران لا تزال تحكم 4 عواصم عربيّة.أو أنّ مرشدها الأعلى لم يُقتَل في أوّل ضربة أميركيّة – إسرائيليّة مع مجموعة من القيادات والضبّاط الكبار.أو أنّ المباحثات الأميركيّة – الإيرانيّة (المتعثّرة) في باكستان يمكن لها أن تصبّ في مصلحة “الخطّ” الذي بات يتلقّى الصفعات الموجعة دوريّاً، من سقوط سوريّا، إلى دخول العدو الصهيوني إلى بنت جبيل، إلى انتهاء دور حماس، إلى صمت الحوثيّين ومعاندة الحكومة العراقيّة لتوجّهات الحشد الشعبي. كلّ شيء في “الشرق الأوسط الجديد” يوحي بخروج القطار المتسارع عن “الخطّ”، فمن أين جاء فرنجيّة بهذه الجرعة العجائبيّة التي تبدو أقرب إلى الفكاهة منها إلى الكلام الجاد؟!
عدا ذلك، بعد تداعيات حرب إسناد غزّة على مكانة حزب الله العسكريّة والسياسيّة، شهدت الساحة اللبنانيّة موجة جارفة من التحوّلات في مواقف أطراف الممانعة، وقد وصلت تأثيراتها إلى الخطاب الرسمي للنائب طوني فرنجيّة الذي تحدّث عن حصريّة السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة العسكريّة الأخرى، وعن ضرورة إمساك الدولة وحدها بقرار السلم والحرب، وصولاً إلى الزيارات المتبادلة ما بين بنشعي والسفير السعودي وليد البخاري، دون أن نغفل الصور التي انتشرت في الشوارع والساحات لكلّ من فرنجية وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في نوع من “نقل البارودة من كتف إلى كتف” كما فعل الكثير من السياسيين الآخرين تعبيراً عن المرحلة الجديدة:ف “شو عدا ما بدا” حتّى يجاهر فرنجيّة الأب بما يعاكس خطاب فرنجيّة الإبن؟
قد تكون زلّة لسان، أو شحنة حنين إلى ماضٍ زائل..أو في أحسن الأحوال “بكاء على الأطلال”، ولكن أفضل ما يمكن إستخلاصه ممّا حكى هو التذكير بالمثل الشهير القائل “الآباء يأكلون الحصرم.. والأبناء يضرسون”!..
