لبنان بين التوازن الهش وإعادة بناء الدولة: خيار السيادة أم استمرار الأزمات

ُعدّ لبنان، بتكوينه التاريخي والاجتماعي، نموذجًا قائمًا على التعددية والتنوّع، حيث شكّل التعايش بين مكوّناته أساس استقراره. فمنذ نشأته، ارتكز استمراره على قدرته في إدارة الاختلاف وتحويله إلى عنصر توازن، ما جعله أقرب إلى مساحة للسلام منه إلى ساحة صراعات.

وفي هذا الإطار، يرى سفير عربي مخضرم أن الخلل الأساسي الذي أصاب التوازن الداخلي في السنوات الأخيرة يعود إلى الاعتقاد بإمكانية احتكار قرار الحرب والسلم داخليًا، في حين أن هذا القرار يتجاوز لبنان ويرتبط بتوازنات إقليمية ودولية معقّدة، ما أدى إلى إدخال البلاد في مواجهات غير متكافئة وزيادة المخاطر عليها.

ويؤكد أن المدخل لإعادة التوازن يبدأ بتعزيز دور الدولة، لا سيما عبر تمكين المؤسسة العسكرية، من خلال خطة شاملة لتقوية قدرات الجيش اللبناني، بما يتيح له ضبط الحدود والسيطرة على المجالين البري والبحري والجوي، إذ لا يمكن تحميله مسؤوليات كبرى من دون توفير الإمكانات اللازمة.

ويشير إلى أن أي مواجهة مع التعنّت الإسرائيلي في المفاوضات المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة، ترتكز أولًا على حصرية السلاح بيد الدولة، بحيث يكون الجيش الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرار استخدام القوة، ما يعزّز الموقف التفاوضي ويمنع تعدد مراكز القرار.

أما الركيزة الثانية، فتتعلق بطبيعة التسوية، إذ يعتبر أن السلام المنفرد لا يوفّر استقرارًا دائمًا، بل يجب أن يكون ضمن إطار شامل وعادل بمشاركة دول عربية أساسية، بما يضمن توازن المصالح. وفي حال تعذّر ذلك، يبرز خيار اتفاق عدم اعتداء متبادل يرافقه وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب، ومعالجة ملفات الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار وعودة النازحين، بما يحقق استقرارًا مستدامًا في الجنوب.

ويخلص الطرح إلى أن لبنان يقف أمام خيارين: إما الاستمرار في إدارة أزماته ضمن توازنات هشّة، أو الانتقال إلى مرحلة إعادة بناء الدولة على أسس واضحة، تقوم على توحيد القرار السيادي وتعزيز دور المؤسسات، بما يعيد تثبيت الاستقرار كخيار أساسي في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

المصدر:
داوود الرمال – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top