
بقلم ياسمين شعبان
يعيش القطاع التربوي في لبنان حالة من “حبس الأنفاس” الدائم، حيث تحول التعليم من حق بديهي إلى معركة صمود يومية. منذ عام ٢٠٢٠ حتى اليوم، تواجه وزارة التربية والتعليم والكوادر التعليمية الرسمية والخاصة الكثير من التحديات في سبيل الحفاظ على المستوى التعليمي في لبنان، والصمود في وجه العواصف الاقتصادية، الأمنية، والصحية.
ومع التصعيد الأمني المستمر على لبنان حتى الساعة، في ظل عدم التوصل إلى وقف إطلاق نار كامل، تبقى الأسئلة الأبرز: ما مصير الامتحانات الرسمية؟، وماذا عن التقييم النهائي لباقي الصفوف في ظل تحوّل المدارس الى مراكز إيواء وتصعيد الأساتذة للحصول على حقوقهم؟
بين الإضرابات والنزوح.. الحشيمي يطالب بقرار “تأسيسي” لإنهاء مأزق الشهادة الرسمية
في ظلّ الغموض الذي يكتنف مصير الامتحانات الرسمية ومع اقتراب المواعيد المحددة لها، أطلق النائب وعضو لجنة التربية الوطنية الدكتور بلال الحشيمي صرخة تحذيرية، عبر موقع “ديمقراطيا نيوز”، من مغبة الاستمرار في اعتماد الطرق التقليدية لإجراء الامتحانات في ظل ظروف استثنائية تعيشها البلاد.
انتقد الحشيمي حالة التريث من قبل وزارة التربية، مشيراً إلى أن الوزيرة لا تزال في مرحلة “التفكير والتخطيط”، بينما يقف الطلاب رهينةً لغياب المعطيات الواضحة.
وأكد الحشيمي أن الواقع الحالي، المتمثل في النزوح والضغط النفسي والاضطرابات الأمنية، يجعل من المستحيل التعامل مع العام الدراسي كأي عام طبيعي.
وأوضح الحشيمي أن هناك “تفاوتاً كبيراً” في استكمال المناهج بين المدارس الرسمية والخاصة، نتيجة الإضرابات واحتجاجات الأساتذة، فضلاً عن الفروقات الجوهرية بين مناطق الحرب والمناطق الأكثر استقراراً، معتبراً أن إجراء الامتحانات بالأسلوب التقليدي في ظل هذه المعطيات لن يحقق العدالة في تقييم مستويات الطلاب.
ودعا الحشيمي إلى اتخاذ قرار “تأسيسي” يُسجل كتحول نوعي في مقاربة الشهادات الرسمية، وليس مجرد تعديلات تقنية، مشدداً على ضرورة أن تترك الوزيرة “بصمة إصلاحية” تُحتسب لها في إدارة هذا الملف الحساس.
وفي هذا السياق، طرح الحشيمي خارطة طريق تتلخص في النقاط التالية:
الاعتراف بواقع عدم تكافؤ العام الدراسي: واعتماده أساساً لأي قرار مستقبلي.
تحديد شفاف للمضامين: حصر المواد المطلوبة بما أُنجز فعلياً في المدارس.
المرونة: اعتماد نموذج امتحاني يتيح للطالب إبراز نقاط قوته.
نظام المواد الاختيارية: تقسيم الامتحانات إلى مواد إلزامية (اللغة العربية، اللغة الأجنبية، الرياضيات)، ومواد اختيارية تتيح للطالب المفاضلة في العلوم والاجتماعيات.
وشدّد الحشيمي على أن هذه المقاربة “لا تُضعف الشهادة، بل تعزّز عدالتها، وتعيد إليها معناها الحقيقي: تقييم القدرة لا معاقبة الظروف”.
وفي رسالة موجهة إلى الوزيرة كرامي، دعا الحشيمي إلى استغلال هذه المرحلة كفرصة لتقديم “أول نموذج وطني” لإدارة الامتحانات في زمن الأزمات، بما يعيد ترميم ثقة الطلاب بالدولة ومؤسساتها. وختم الحشيمي محذراً: “إن مسؤوليتنا اليوم مشتركة في حماية جيلٍ كامل، وصون حقّه في تعليمٍ عادل ومنصف؛ فالحماية ليست خياراً، بل واجب وطني لا يحتمل التأجيل”.
جمال العمر: نرفض الامتحانات المناطقية.. ونطالب بقرار “ينصف” الطلاب والأساتذة
في المقلب الآخر، تبرز هواجس الأساتذة الذين يقفون في الخطوط الأمامية لهذه المعركة التعليمية. كشف رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي جمال العمر لموقع “ديمقراطيا نيوز” عن وجود عدة سيناريوهات مطروحة، أبرزها إجراء امتحانات حسب المناطق، وهو طرح قوبل برفض قاطع من الرابطة. وأوضح العمر أن الرابطة طالبت الوزارة باعتماد امتحانات تراعي “المنهاج المخفف” والواقع الدراسي حتى شهر آذار الماضي، خاصة أن الحرب أطاحت بالخطط الرامية لإنهاء المنهاج كاملاً. وفي هذا السياق، أكد العمر أن الرابطة اقترحت تأجيل الامتحانات، بينما لا يزال خيار “الإفادات” مطروحاً كسيناريو ثالث، رغم إصرار الوزيرة على إجراء امتحانات موحدة وشاملة.
وعن التكاليف اللوجستية، أشار العمر إلى أن الدولة لن تتحمل أي أعباء مالية، حيث جرى التنسيق مع منظمة “اليونيسيف” لتكون القائمة على الامتحانات من الألف إلى الياء. ولفت إلى أن الرابطة كانت تعمل على “ورشة تطويرية” للامتحانات الرسمية تعتمد على المكننة بشكل أوسع، إلا أن ظروف الحرب حالت دون استكمالها.
وفي ملف موازٍ، شدد العمر على أن حقوق الأساتذة تشكل عائقاً جوهرياً أمام المضي قدماً في الامتحانات. وأكد أن الأساتذة، الذين يعانون من تآكل رواتبهم منذ 6 سنوات (حيث لم تصل الزيادات والمساعدات حتى اليوم إلى نصف القيمة الحقيقية للرواتب)، لن يكتفوا بتأمين أتعاب المراقبة والتصحيح. وحذّر من أن خيار التصعيد مفتوح في حال لم تُلبَّ الحقوق، مشيراً إلى أن الأساتذة قد يضربون عن المشاركة في الامتحانات إذا استمرت الدولة في سياسة تجاهل مطالبهم.
أما بالنسبة لباقي الصفوف، فقد تم الاقتراح من قبل الوزارة بالتعاون مع الرابطة اعتماد علامات امتحانات منتصف العام، مع تخفيض علامة النجاح من 9.5 إلى 8، وذلك لمنح فرصة للطلاب الذين كانوا يطمحون لتحسين مستواهم في الامتحانات النهائية التي تعطلت بفعل الأزمة.
طرطوسي: الأهالي ينتظرون قراراً واضحاً.. والسلامة أولويتنا
شدّد رئيس لجنة الأهل في احدى الثانويات الرسمية، جمال أحمد طرطوسي، على أن البوصلة الأساسية يجب أن تكون مصلحة الطالب وسلامته.
واكد طرطوسي ل”ديمقراطيا نيوز” على أن السيناريو الأكثر واقعية للامتحانات الرسمية يبقى مرهوناً بتطورات الميدان والأوضاع الأمنية. ويقول: “الجميع يطمح لإجراء الامتحانات في مواعيدها الطبيعية، لما في ذلك من حماية لقيمة الشهادة وضمانٍ للعدالة بين الطلاب؛ لكننا واقعيون، فإذا استمرت الظروف الاستثنائية، على وزارة التربية أن تلجأ لخيارات بديلة توازن بين الحفاظ على المستوى الأكاديمي ومراعاة التحديات التي يواجهها الطلاب”.
وعن تساؤلات ومخاوف الأهالي، يلخصها طرطوسي في ثلاث نقاط جوهرية هي القلق الدائم على السلامة الجسدية والنفسية للطلاب في ظل الظروف الراهنة، التخوف من ضياع العام الدراسي أو صدور قرارات متأخرة تضاعف الضغط النفسي على الطلاب، والمطالبة بقرارات تربوية واضحة وعادلة ومدروسة، تُعلن في توقيت يسمح للطالب بالاستعداد على أرضية ثابتة.
ودعا طرطوسي إلى اعتماد مقاربة تتسم بالواقعية والإنسانية في آنٍ واحد، مؤكداً أن الأهالي لا يطالبون بتسهيلات مجانية، بل بقرارات تُراعي ظروف البلد الصعبة، وتصون في الوقت ذاته حق الطلاب في تعليم منصف يضمن مستقبلهم الأكاديمي.
وختم طرطوسي مشدداً على ضرورة أن تبتعد وزارة التربية عن الغموض، فالتأخير في حسم الخيارات هو بحد ذاته عامل ضغط إضافي لا يصب في مصلحة أي من أطراف العملية التربوية.
