
بقلم غسان سمير الجسر – ديمقراطيا نيوز
ليست المشكلة في أن بعض اللبنانيين يتحدثون اليوم عن السلام،
بل في الكيفية التي وصلنا بها إلى هذا الواقع.
على مدى سنوات، تكرّر مشهد واحد: قرارات مصيرية تُتخذ خارج إطار الدولة ومن دون إجماع وطني، فيما يتحمّل اللبنانيون كلفتها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. منذ حرب تموز 2006 وما خلّفته من دمار واسع، مرورًا بالانخراط في الحرب السورية في الفترة الممتدة من العام 2012 لغاية 2017 ، وما ترتّب عليها من تداعيات داخلية، وصولًا إلى عام 2024 حين فُتحت جبهة الجنوب على خلفية حرب غزة، فشهدنا تدمير قرى ونزوح آلاف العائلات وتوقّف أعمال ومؤسسات، ثم في عام 2026 حيث وجد لبنان نفسه مجددًا في قلب تصعيد إقليمي أكبر، مع ما يحمله ذلك من مخاطر وخسائر إضافية.
هذه الوقائع ليست أحداثًا متفرقة، بل مسار واحد متصل.
عندما يُتخذ قرار الحرب بشكل منفرد، خارج مؤسسات الدولة ومن دون موافقة غالبية اللبنانيين، فمن الطبيعي أن تظهر في المقابل ردود فعل منفردة، حتى وإن كانت في الاتجاه المعاكس.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتفكك القرار الوطني إلى قرارات متقابلة، فتضيع الدولة ويضيع معها الوطن.
اليوم يُقال إن السلام يحتاج إلى إجماع وطني، وهذا أمر بديهي بعد كل ما شهدناه من صراعات وما خلّفته من مآسٍ.
لكن السؤال المشروع: لماذا لم يحتاج قرار الحرب إلى هذا الإجماع نفسه؟
وأين هي الميثاقية التي يُتمسّك بها عند كل استحقاق سياسي، وقد جرى تكريسها خارج نصوص الدستور، عندما تمّ إدخال لبنان في حروبٍ متتالية؟
أين كانت هذه الميثاقية حين غاب التوافق الوطني، داخل الحكومة وضمن مجمل النظام السياسي؟
بل كيف يمكن القبول بقرارات بهذا الحجم، لا تفتقر فقط إلى الميثاقية، بل تتجاوز أيضًا مؤسسات الدولة نفسها وتضعها أمام أمر واقع؟
كيف يمكن المطالبة بوحدة الموقف في السلام، فيما أساس الانقسام نشأ من غياب هذه الوحدة في قرار الحرب؟
الحقيقة المؤلمة أن من اتخذ قرارات الحرب منفردًا، ومن يفكّر اليوم بقرارات سلام منفردة، كلاهما، بقصد أو بغير قصد، يساهم في إضعاف الدولة وفتح الباب أمام الفتنة.
إن غالبية اللبنانيين يقفون إلى جانب أهل الجنوب ويرفضون أي اعتداء إسرائيلي، وهذا موقف وطني ثابت لا لبس فيه. لكنهم في الوقت ذاته يتطلعون إلى دولة قوية، موحّدة القرار، تمارس سلطتها الكاملة على جميع أراضيها، ولا تُترك لمراكز قرار متعددة ومتعارضة.
لبنان لا يُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات.
ولا يُبنى بقرارات منفردة، بل بإجماع وطني حقيقي، وبأحزاب غير طائفية نابعة من قانون انتخابي وطني لا طائفي، يحفظ تعددية لبنان ويصون حقوق جميع مكوّناته.
إن الحل لا يكمن في مزيد من التصعيد، ولا في ردود فعل متقابلة، بل في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. المطلوب مراجعة جدّية من جميع الأطراف، وتقديم مصلحة الدولة على أي اعتبار آخر، والعمل على تعزيز دولة قوية وقادرة.
كما لا يجوز لأي طرف أن يستغلّ ضعفًا سياسيًا ظرفيًا لفرض قرارات غير قابلة للتنفيذ، كردّ فعل على أخطاء سابقة أو مغامرات فاشلة، فيدفع البلاد إلى مزيد من المخاطر التي لا يحتملها لبنان.
المدخل الحقيقي للحل واضح:
أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
درء الفتنة مسؤولية وطنية،
ووحدة القرار هي الضمانة الأساسية.
