
بقلم جوزاف وهبه
يعكف بعض المحلّلين أو الناشطين أو المفكّرين (وحتّى السياسيّين) على تناول الموضوع القديم – الجديد، أي الصراع المفتوح بين لبنان (حزب الله) وإسرائيل من زاوية مبدئيّة (بالتأكيد صحيحة وسليمة وصادقة) تفيد بأنّ الكيان الصهيوني عدوّ ومغتصب، وبأنّ نتانياهو “كذّاب وفاسد ومجرم وقاتل الأطفال والنساء..”.. وكلّ هذا التوصيف صائب لا غبار عليه وفي مكانه، ولا خلاف حوله، ولكن هل هذا يكفي للإصطفاف (الموضوعي) حول سرديّة حسن نصرالله/نعيم قاسم، كما وردت في نسختها المحدّثة على لسان هذا الأخير:”لن نتخلّى عن السلاح، المفاوضات لا تعنينا، وسنواصل المقاومة ونردّ العدوان..”؟
هنا بيت القصيد. وهنا الجرأة المطلوبة في مقاربة هذا “الملفّ الساخن” بعيداً عن “وجدانيّة” جمال عبد الناصر، وعن “ضجيج” البعث العربي الإشتراكي، وبعيداً عن الأمثال الشائعة (العين تقاوم المخرز)، والنقطة الأهمّ الأهمّ بعيداً عن “طيور أبابيل، وسيف الإمام علي” وغيرها من المصطلحات الدينيّة الشائعة.. والتساؤل المشروع:هل يمكن المقاربة دون تخوين وصهينة واتّهامات بالتخلّي عن القضيّة والنضال والكرامة والشرف، وما شابه من تعابير تكاد تشبه “القبوات التي تغطّي السموات”، فيما الحقيقة تكمن في خدمة مصالح أخرى لا تمسّ بشيء ولو يسير مصالح البلد، أو حتّى مصالح الطائفة الشيعيّة الأكثر عرضةً لدفع أغلى الأثمان في البشر والحجر؟
فلنحاول تبسيط الأمور، قدر الإمكان.ولنحاول وضع الأصبع على الجرح النازف، لئلّا نكون شركاء (عن براءة أو عن قصر نظر أو عن وجدانيّة زائدة) في الدم المراق، تارةً على طريق تلال كفرشوبا ومزارع شبعا، وطوراً على طريق القدس، وأخيراً (على أمل أن يكون آخراً) على طريق طهران – الثأر لخامنئي:
-ماذا جنينا من الإلتحاق التاريخي بالقضيّة الفلسطينيّة (للتذكير، ليس كحقّ تاريخي طبيعي للشعب الفلسطيني، منعاً للثرثرة القوميّة) ومن حملنا السلاح مع الرئيس الراحل ياسر عرفات: هو مضى إلى دولته المنقوصة فوق جزء من فلسطين المحتلّة.. ونحن دفعنا أكثر من مئة ألف شهيد، وأحرقنا الأخضر واليابس (وأنا كنت شريكاً حيّاً في هذا الحريق، كي لا يزايدنّ أحد)،
وأصبنا التكوين الوطني بمقتل، لنعلن بعد “خراب البصرة” على لسان الأمين العام محسن ابراهيم: لقد أخطأنا في حمل السلاح دفاعاً عن الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان!
-ماذا جنينا من التماهي مع حسابات حافظ الأسد (ومن ثمّ إبنه المخلوع بشّار الأسد) حين سرنا في درب “الخطّ والممانعة..” غير الإغتيالات التي كنّا نهلّل لها:من بشير الجميّل، إلى رينه معوّض وكمال جنبلاط والمفتي حسن خالد، ومؤخّراً من الشهيد الكبير رفيق الحريري إلى قافلة شهداء ثورة الأرز؟ كلّ هؤلاء سقطوا باسم مواجهة العدوّ، وباسم استرجاع كلّ شبر من فلسطين، وباسم “السلاح شرف الرجال”..أليس كذلك؟
ومن العام 2006، إلى حرب إسناد غزّة (تذكّروا لم يبقَ أثر لهذا الكيان..بفضل “بطولات” السنوار ورفاقه)، إلى الحرب الدائرة اليوم تحت عناوين متحرّكة (حسب الطلب، أو حسب الحاجة لتسويق المبرّرات) من إسناد إيران، إلى الثأر للمرشد الأعلى، إلى الدفاع عن لبنان وشعبه… فما هي “الإنتصارات” التي جنيناها من هذا الكمّ الهائل من الصواريخ والبيانات اليوميّة والعمليّات العسكريّة التي تربك جيش العدوّ دون شكّ، ولكن هل تتوازى الأرباح مع الخسائر، وهل من أمل واقعي في القضاء على الكيان المغتصب (أوهى من خيوط العنكبوت)، وهل من تغيير في ميزان القوى بعد أكثر من نصف قرن من القتال والحروب والتضحيات والموت المتنوّع؟
يمكن الإجابة:نعم.هناك تغيير، ولكن (للأسف) لمصلحة إسرائيل.تقتلنا كالعصافير.تشرّدنا كالبدو الرحّل. تهدّم بيوتنا – جنى العمر. تغتال قياداتنا التاريخيّة والمستجدّة. تعلّمنا دروساً في فنون البايجرز و150 هدفاً (بفضل الزوووم) في دقائق معدودة..ونحن لا نجيد سوى الإصرار على الموت، وهو نوع من الإستسلام، وليس ملامح بطولة أو شجاعة، تماماً كما قال الشاعر “والرأي قبل شجاعة الشجعان”. تُرى، ألم يحن بعد الوقت لغلبة العقل على اتّقاد المشاعر، ألم يحن وقت التوقّف لمراجعة هذا التاريخ المليء بالفجيعة والإنكسار؟ وهل يكفي أن نسمّيه “نصراً إلهيّاً” حتّى يكون على أرض الواقع نصراً حقيقيّاً؟ وهل يكفي أن نضفي القداسة على السلاح حتّى نشرعن بقاءه خارج سلطة الدولة؟
وفي الأخير الأخير، هل نحاسب الدولة إذا ما غلّبت “منطق الحياة” على “منطق الموت” باللجوء إلى التفاوض مع “العدو”، وفي الأصل لا يكون التفاوض إلّا مع “العدوّ” حين نجد أنه السبيل الوحيد للخلاص؟ وختاماً، هل “المذلّة” يا شيخ نعيم في أن يكبر أولادنا في خيم وأماكن نزوح ووسط الحروب العبثيّة، أو في أن ننتزع مستقبلهم وعمرهم وفرحهم من “فم التنّين” ولو بالتفاوض!؟
