
بقلم الياس عيسى الياس
قرأتُ كتاب «الهويات القاتلة» لأمين معلوف أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أسأل نفسي: هل كتب معلوف هذا النص ليناقشه المثقفون في جامعات الغرب، أم كتبه لنا نحن؟ نحن الذين ما زلنا في هذا الشرق نقتتل على مسميات طائفية وعائلية، ونشعل الحروب بسبب الانتماء لحزب أو مذهب، أو حتى بسبب خلاف بسيط على تفسير التاريخ.
أمين معلوف، الذي يجمع في شخصه رقيّ فرنسا وعمق الجذور اللبنانية، وضع يده تماماً على الجرح الذي ينزف في مدننا. الحقيقة أنني وأنا أتابع أخبار هذا العالم المضطرب، من واشنطن إلى طهران، ومن إسلام آباد وصولاً إلى بيروت، أرى أن “الهوية” لم تعد مجرد بطاقة تعريف، بل تحولت إلى “رخصة للقتل”.
المشكلة هنا لا تكمن في أصل الإنسان أو دينه، بل في ذلك “العقل الضيق” الذي يصرّ على حصرنا في خندق واحد؛ وكأننا في مباراة كبرى لا تقبل القسمة على اثنين، إما رابح واحد يملك كل شيء، أو خاسر يحمل على ظهره كل خطايا العالم.
والمفارقة أننا ننجح في عيش “التعددية” في الرياضة بينما نفشل فيها في الحياة. خذوا مثلاً حمى كأس العالم؛ في تلك اللحظة، نختار انتماءاتنا بمحض إرادتنا. تجد الواحد منا يشجع البرازيل حباً في “السحر” الكروي، أو ينحاز لألمانيا تقديراً “للماكينات” والنظام. في الملعب، نذوب في انتماءات عابرة للحدود، ولا نفتش في مذهب اللاعب أو عرقه قبل أن نصفق لهدفه الجميل.
هناك، نعيش “تعدد الهوية” كفعل حر؛ نحب وطناً ونشجع منتخباً آخر، دون أن نشعر أننا خنّا أنفسنا. لكن السؤال الذي يحيرني: لماذا تتبخر هذه الروح الرياضية فجأة عند حدود السياسة؟ ولماذا نعود إلى بيوتنا بقلوب مشحونة بكراهية تجعل من كل اختلاف “تسللاً” يستحق الطرد من الحياة؟
يكتب أمين معلوف بلغة واضحة وبسيطة ليقول لنا إن الهوية ليست صخرة جامدة وُلدنا بها ولا يمكن تغييرها، بل هي «بناء» نساهم في تشكيله واختياره كل يوم. لكن، هنا يواجهنا سؤال صعب: هل هذه الهوية المتعددة والمنفتحة هي حل واقعي للجميع؟ أم أنها مجرد رفاهية لا يملكها إلا المثقفون، بينما تفرض الحياة الواقعية على الناس الانتماء إلى طوائفهم وجماعاتهم كدرع للحماية في زمن الصراعات القوية؟
إننا نعيش اليوم تناقضاً غريباً؛ فبينما ألغت التكنولوجيا المسافات بين الدول، عادت «الخوارزميات الرقمية» وحبست كل واحد منا داخل فقاعة إلكترونية لا يرى فيها إلا ما يشبهه، ولا يسمع فيها إلا صدى صوته. وبدل أن يفتح الإنترنت عقولنا على العالم، جعلنا نتقوقع مع من يوافقنا الرأي فقط، مما حول الشخص «المختلف» عنا إلى مصدر للتهديد بدل أن يكون مصدراً للغنى والمعرفة.
لقد علّمنا تاريخنا، وبشكل خاص في لبنان، أن سر البقاء ليس في أن نلغي بعضنا، بل في أن نعرف كيف نعيش مع تناقضاتنا. والأمير فخر الدين يظل الرمز الأكبر لهذا المعنى؛ فهو لم ينجح لأنه تخلى عن هويته، بل لأنه عرف كيف يوازن بذكاء بين «الانتماء الحقيقي» الذي يعطيه جذوراً، وبين «التعصب الأعمى» الذي يحوّل تلك الجذور إلى مشانق تقتل الجميع. هي ببساطة معادلة العيش التي تخبرنا أن قوتنا في تنوعنا، لا في أن نكون نسخة واحدة مكررة.
إن محاولة تنقية هوياتنا من كل ما هو مختلف ليست إلا دعوة صريحة للحروب والنزاعات؛ فالهوية التي تنغلق على نفسها تنتهي بالاختناق. الانفتاح هنا لا يعني أن نذوب في الآخرين أو نفقد أنفسنا، بل يعني امتلاك الشجاعة لمراجعة انتمائنا قبل أن نهاجم انتماءات غيرنا. فالعالم لا يحتاج منا أن نكون نسخة واحدة، بل يحتاج أن نتعلم كيف نعيش معاً رغم اختلافاتنا دون دماء.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائماً من شواطئنا إلى أبعد مكان في الأرض: هل نجرؤ على الاعتراف بأن «الآخر» هو مكمل لنا وليس عدواً؟ أم سنظل نفضل ضيق السجن على حرية الفضاء، ونحمي هوياتنا القاتلة بينما هي تلتهم مستقبل أولادنا؟ إنها معركة وعي لا تنتهي بصافرة حكم، بل تبدأ حين ندرك أن الهوية وُجدت لنعيش بها، لا لنَموت بسببها.
