“الأرض المحروقة” في جنوب لبنان: كيف سينعكس التدمير الممنهج على التوازنات العسكرية والإقتصاد؟

بقلم ندى جوني

في ظلّ تصاعد المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”، تتّخذ الحرب منحى يتجاوز الأهداف العسكرية. فسياسة الأرض المحروقة التي تعتمدها إسرائيل، بذريعة إنشاء منطقة عازلة وتأمين مستوطنات الشمال، تبدو في الواقع مساراً قائماً على التدمير المنهجي للجنوب اللبناني.

يفتح هذا المشهد المأساوي الباب أمام مرحلة طويلة من التعقيدات، حيث يتحوّل الجنوب من مساحة إنتاج وحياة إلى منطقة معطّلة اقتصادياً ومفككة اجتماعياً. ومع نزوح السكان وتوقف الأنشطة الزراعية والتجارية، تتكرّس فجوة عميقة بين مناطق لبنان، فيما تبدو إعادة الإعمار مساراً مؤجلاً يرتبط بحسابات إقليمية ودولية، وقد يحتاج إلى سنوات طويلة تتجاوز 10 سنوات لإعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن تحوّلات أوسع في طبيعة الصراع، حيث يصبح استهداف الأرض جزءاً من إعادة رسم الواقع السياسي والأمني، بما يفرض على لبنان تحديات مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والعسكرية، وتضعه أمام مسار مفتوح على احتمالات شديدة التعقيد.

من هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن أن تنعكس هذه الوقائع على بنية الاقتصاد اللبناني وعلى التوازنات العسكرية في المرحلة المقبلة؟

بسام ياسين: استراتيجية “الأرض المحروقة” تمهد لحرب استنزاف طويلة.. والعودة قد تستغرق 15 عاماً

أشار الخبير العسكري العميد بسام ياسين إلى أن ما يتمّ التداول به حول إنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى 40 أو 50 كيلومتراً، أي وصولاً إلى منطقة الزهراني وصيدا، يفتقر إلى الواقعية العسكرية والقدرة العملياتية على الأرض، مؤكداً أن توغلاً بهذا العمق يضع لبنان تحت احتلال مباشر لا تملك إسرائيل النية أو القدرة على الاستقرار فيه، خاصة وأن كل توغل إضافي يجعل قوات الاحتلال أكثر عرضة للاستهداف ويتطلب حشداً عسكرياً هائلاً لتأمين خطوط الإمداد.
وعن طبيعة المواجهة الراهنة، أجاب العميد ياسين بأن ميزان الردع التقليدي مختلاً. إلاّ أن “حزب الله” يعتمد استراتيجية حرب العصابات التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إلحاق أقصى درجات الأذى بالعدو لمنعه من التمركز أو الاستقرار في الأرض.

وأشار في هذا السياق إلى أن الميدان يتجه فعلياً نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، لا سيما وأن العمليات الدفاعية تنطلق من شمال نهر الليطاني، مما يحول أي تقدم إسرائيلي في العمق إلى عبء عسكري واستنزاف دائم للآليات والجنود.
وحول سياسة الأرض المحروقة وتدمير القرى الحدودية، أجاب ياسين بأن هذا الدمار الممنهج هو ركيزة أساسية في استراتيجية المنطقة العازلة التي يسعى الاحتلال من خلالها إلى إنهاء البيئة الحاضنة وجعل تلك المناطق غير قابلة للسكن، وأشار إلى أن هذا التدمير الشامل يمثل سيفاً ذو حدين؛ فبينما يهدف الجيش الإسرائيلي من خلاله إلى كشف الميدان وإزالة نقاط الكمائن والاختباء، فإنه في المقابل يجعل تحركات آلياته مكشوفة تماماً أمام سلاح المسيرات الانقضاضية التي أصبحت عنصراً حاسماً في المواجهة ولا يمكن إخفاء الأهداف عنها في المساحات المفتوحة.

وفي ما يخص المسار السياسي ومستقبل السكان، أشار العميد ياسين إلى أن إسرائيل تراهن على أن الولايات المتحدة هي من يملك مفتاح قرار الحرب والسلم والانسحاب من الأرض، محذراً من أن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية قد تستغرق ما بين 10 إلى 15 عاماً في حال الانسحاب الإسرائيلي، نظراً لحجم الخراب الهائل في البنى التحتية والبيوت، وهو هدف إسرائيلي متعمد لتعطيل الحياة في الجنوب لأطول فترة ممكنة.
وخلص في إجابته إلى انعدام الأفق الدبلوماسي الراهن، مؤكداً أننا أمام معركة استنزاف طويلة الأمد، حيث لا توجد مؤشرات على مفاوضات قريبة قادرة على تحقيق الأهداف اللبنانية السيادية المتمثلة بالانسحاب الكامل وعودة السكان إلى ديارهم.

محمد فحيلي: صدمة اقتصادية عميقة واستنزاف طويل في ظل تدمير الجنوب

أشار الخبير في المخاطر المصرفية والمحلل الاقتصادي محمد فحيلي إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار حجم الخسائر التي طالت البنية الاقتصادية في جنوب لبنان، حيث يضم هذا الجزء من البلاد عدداً كبيراً من المؤسسات التجارية والمصانع والأراضي الزراعية. ومع تصاعد الهجمات الإسرائيلية، وما رافقها من نزوح واسع وإقفال شبه كامل للمنطقة اقتصادياً، من المتوقع أن يشهد الإنتاج تراجعاً ملحوظاً، لا سيما في القطاع الزراعي، ما سينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني ككل.

وأوضح فحيلي أن جزءاً كبيراً من العاملين في هذه المؤسسات باتوا مهددين بفقدان وظائفهم، الأمر الذي يزيد من معدلات البطالة ويعمّق الأزمة الاقتصادية. واعتبر أن ما حصل يشكّل صدمة سلبية للاقتصاد، نظراً لحجم الدمار الذي وقع خلال فترة زمنية قصيرة، ما يجعل التعافي عملية معقدة وطويلة.
وشدد على أن لبنان ليس غزة، معبّراً عن أمله في عدم الذهاب نحو حلول مشابهة، في ظل واقع رمادي يصعب التنبؤ بمساراته، خاصة أن مسار التفاوض لن يكون قصيراً.

وأضاف أن البلاد تتجه نحو مرحلة من الاستنزاف الاقتصادي، حيث يتراجع الإنفاق الترفيهي في العديد من المناطق، فيما تتحمل الدولة أعباء إضافية لرعاية النازحين، بالتوازي مع تراجع إيراداتها واستنزاف احتياطات مصرف لبنان تدريجياً، ما يثير مخاوف على المديين القريب والبعيد.

وأشار فحيلي إلى أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل كبير على السياحة، سواء من المغتربين أو من السياحة الداخلية، لافتاً إلى أن الجنوب والبقاع يشكلان جزءاً أساسياً من هذه الحركة، ما يعني أن تضررهما سينعكس مباشرة على هذا القطاع الحيوي.

وأكد أن أي عملية إعادة إعمار لن تبدأ قبل ظهور مؤشرات واضحة على سلام مستدام، خصوصاً في ظل التدمير الممنهج في الجنوب، ما قد يعيق عودة النازحين إلى قراهم.

وطرح فحيلي تساؤلات حول مستقبل هذه المناطق: هل ستُعاد إعمار القرى المدمرة بالكامل، أم أن المنطقة الحدودية قد تتحول إلى جزء من تسوية سياسية، ما يفرض واقعاً جديداً على السكان؟

وفي هذا السياق، رجّح أن نشهد نوعاً من إعادة توطين للنازحين، حيث سيضطر العديد منهم إلى البحث عن مساكن بديلة لسنوات قادمة، في ظل صعوبة العودة السريعة وإعادة بناء البنية التحتية من مياه وصرف صحي وطرق. كما لفت إلى أن النزوح سيؤدي إلى ضغوط إضافية على المناطق المستقبِلة، خصوصاً في الوحدات السكنية، حيث من المتوقع ارتفاع الإيجارات بشكل استثنائي نتيجة زيادة الطلب، خاصة من قبل النازحين الذين لم يلجأوا إلى مراكز الإيواء. كما اعتبر أن هذا الارتفاع يصنّف ضمن الغلاء الظرفي ولا يدخل بالضرورة ضمن معدلات التضخم التقليدية، لكنه يترك آثاراً مباشرة على السكان المحليين.

في المقابل، أشار إلى أن المناطق التي تستضيف مراكز إيواء قد تشهد حركة اقتصادية إيجابية نسبياً، نتيجة ضخ السيولة من قبل الدولة والمنظمات، ما يخلق نوعاً من التوازن الجزئي في التأثيرات الاقتصادية.

وختم فحيلي بالتأكيد على صعوبة تعميم أثر النزوح على الاقتصاد اللبناني، مشدداً على أن تقييم التداعيات يتطلب دراسة دقيقة لمواقع توزّع النازحين وأنماط استقرارهم، لما لذلك من دور أساسي في رسم صورة اقتصادية أكثر دقة للمرحلة المقبلة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top