
العقرب – ديمقراطيا نيوز
في مرحلة يتكاثر فيها الغموض السياسي وتتراجع فيها المبادرات الجامعة، يبرز النائب فؤاد مخزومي كأحد القلائل الذين يحاولون كسر نمط الانتظار، والدفع نحو إعادة تنظيم العمل السياسي من بوابة المبادرة لا ردّ الفعل.
ما يميّز أداء مخزومي أنه لا يكتفي بالحضور النيابي التقليدي، بل يسعى إلى لعب دور أوسع، يقوم على جمع المتباعدين وخلق مساحات مشتركة للحوار. في بلد يقوم توازنه على دقة التفاهمات، تصبح القدرة على التواصل بين مختلف الأطراف قيمة سياسية بحد ذاتها، وهذا ما يحاول مخزومي ترسيخه عبر تحركاته الأخيرة.
في سياق المكوّن السنّي تحديداً، جاءت مبادراته لتسدّ فراغاً واضحاً خلّفه تراجع الأطر التقليدية. فبدلاً من الاستسلام لحالة التشتت، قدّم نموذجاً يقوم على إعادة إحياء التنسيق بين النواب، بما يعيد لهذا المكوّن دوراً فاعلاً داخل المعادلة الوطنية، بعيداً عن الانكفاء أو التهميش. هذه الخطوة لا تُقرأ كتحرك فئوي، بل كمساهمة في إعادة التوازن إلى الحياة السياسية اللبنانية ككل.
الأهم أن مقاربة مخزومي لا تنطلق من منطق التصعيد أو الشعبوية، بل من التأكيد على ثوابت واضحة: دعم الدولة ومؤسساتها، التمسك باتفاق الطائف كمرجعية، ورفض أي واقع يضعف سيادة القانون.
ما تحقق ليس مجرد لقاء، بل اعادة انتاج دور سياسي جماعي للمكوّن “السنيّ” في المعادلة الوطنية قد يؤسس لمنصة سياسية مستدامة تنسيقية بين النواب السنّة.
في زمن تتضارب فيه الخيارات، يقدّم هذا الخطاب وضوحاً يحتاجه اللبنانيون، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة. ويعكس ضرورة الانتقال من ردود الفعل الى الفعل السياسي المنظم ما يعكس تحولًا نوعيًا في الأداء وتوحيد المواقف في الملفات الكبرى.
كما أن حضور مخزومي على المستويين العربي والدولي يمنحه هامشاً إضافياً للتحرك، ويتيح له ربط الداخل اللبناني بشبكة علاقات أوسع يمكن أن تساهم في دعم الاستقرار وإعادة فتح قنوات التعاون. هذه القدرة على الجمع بين المحلي والخارجي تعزّز موقعه كلاعب قادر على التأثير، لا مجرد متابع للأحداث.
ولا يمكن إغفال أن مبادراته تحمل بُعداً وقائياً أيضاً، إذ إن إعادة تنظيم الصفوف وفتح قنوات التشاور تساهم في تخفيف الاحتقان، وتمنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسامات.
في هذا الإطار، يبدو مخزومي أقرب إلى دور “المنسّق” الذي يحاول بناء أرضية مشتركة، بدلاً من تعميق خطوط التباعد.
صحيح أن الطريق أمام أي مشروع سياسي إصلاحي في لبنان مليئة بالعقبات، لكن ما يطرحه مخزومي يعكس محاولة جدية للخروج من حالة الجمود، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي المنظّم. وبين من يكتفي بالمراقبة ومن يختار الفعل، يبدو واضحاً أنه اختار أن يكون في موقع المبادرة، وهو خيار قد يشكّل نقطة انطلاق لمسار أوسع إذا ما توفرت له ظروف الاستمرار والدعم.
