
بقلم خالد صالح
تقول الطُرفة .. أن عالم الفيزياء الكبير “ألبرت أينشتاين” جلس في القطار بجانب “رجل سياسي”، فأراد أن يختبر “ذكاء” السياسي، التفت إليه ثم عرض عليه اللعبة التالية:
“أنا أسألك سؤالًا فإذا لم تعرف الإجابة تعطيني “خمسة دولارات”، ثم تسألني أنت فإذا عجزت عن الإجابة أعطيك “خمسمئة دولارًا” وهي كل ما أملك !! ما رأيك ؟”..
نظر إليه السياسي بتمعّن وأعلن موافقته على خوض اللعبة
ثم سأله “أينشتاين” : ماهو تعريفك لجاذبية الأرض وكيف تتشكّل؟
فكّر السياسي قليلًا ثم أخرج من جيبه “خمسة دولارات” وأعطاها للفيزيائي الكبير، ثم أخذ دوره في اللعبة وسأله : “ما هو الشيء الذي يصعد إلى الجبل بثلاث أرجل ثم ينزل برجل واحدة؟”..
ساعة كاملة استغرقها “أينشتاين” في التفكير انتهت بدفعه مبلغ “خمسمئة دولار” للسياسي معلنًا استسلامه، وعلى الفور سأله : “أخبرني ما هو الشيء الذي يصعد إلى الجبل بثلاث أرجل ويعود برجل واحدة؟” ..
هنا ضحك السياسي بخبثٍ ودهاء ولم يتفوّه بحرف، بل أخرج من جيبه “خمسة دولارات” وأعطاها لـ “أينشتاين” .. الذي أقسم أنه لن يلعب مرة أخرى خصوصًا مع السياسيين ..
سيمفونية “النفورِ الشعبي والجلد السميك”..
هناك ظاهرة تستحق الدراسة في كتب علم النفس السياسي والاجتماعي، ألا وهي “متلازمة الصمم الانتقائي” لدى بعض السياسيين الأكارم، في كل مرة يقرر فيها أحدهم “التفضل” علينا بظهور إعلامي، أو جولة تفقدية، أو حتى نشر صورة “سيلفي” من مكتبه الفاره، حيث تتحول منصّات التواصل الاجتماعي إلى حلبة مفتوحة من “الكوميديا” السوداء ..
لقد أصبحَ طقسا يوميًا جماعيًا، حيث يتسابق المواطنون في ابتكار أشكال السخرية، ونكتِ القهر، والتعليقات التي تمزج بين الضحك الهستيري والمرارة الحلقية، ينهال عليهم وابل من الانتقادات التي لا تبقي ولا تذر، تلاحقهم في كل تعليق، وتصورهم في كل “مشهد” ساخر، وتحولُهُم إلى مادة دسمة للتندر في المقاهي والمجالس ..
لكن، هنا تكمن المعضلة الغريبة .. لو كان هؤلاء المسؤولون بشرًا عاديين مثلَنا يملكون ذرة من الحياء أو الشعور بالمسؤولية، لربما اختفوا عن الأنظار، أو قدموا استقالاتهم خجلاً، أو على الأقل حاولوا تغيير نهجهم .. لكن لا!
إنهم يمتلكون نوعاً من “الجلد السميك” المضاد للرصاص .. رصاص الكلمات اللاذعة، ونيران السخرية المشتعلة، تراهم لا يزيدون إلا في غيّهم، يزدادون إصرارًا على الظهور، وكأن لسان حالهم يقول في غطرسة صامتة: “يا سادة، نحن لا نرى في انتقاداتكم سوى ضجيج خلفي لا يفسد علينا متعة الجلوس على الكراسي التي منحتُمونا إياها بأصواتكم، والآن اصمتوا .. فديموقراطيتنا تقتضي أن نمثلكم رغمًا عن أنوفكم، وأن نستمر في قيادتكم نحو المجهول، سواء رضيتم بذلك أم متّم من الغيظ!”
إنه مشهد سريالي بامتياز؛ شعب يصرخ “ارحل” أو “كفى”، ومسؤول يرتدي نظارات سوداء لا ترى إلا الانجازات الوهمية التي ينسجها خياله، يظنون أن بقاءهم في مناصبهم هو “استحقاق”، بينما هو في الحقيقة “ابتلاء” نتحمله نحن ..
المسرحية الهزلية
السخرية التي يمارسها المواطنون ضدهم لم تعد مجرد تنفيس عن الغضب، بل أصبحت لغة الحوار الوحيدة المتبقية بين “السيد المسؤول” و”المواطن المقهور”، هم يعلمون أن المواطنين يكرهونهم، لكن رغم كل ذلك لا يهمُّهُم إلَّا أنهم باقون .. ولذلك، تستمر المسرحية الهزلية، حيث الضحك هو السلاح الأخير لمن لا يملك سوى أن يضحك على واقعه، بينما يستمرون هم في أداء شيءٍ أبعَدَ ما يمكِنُ أن يكون عمَّا ننتظَرُهُ منهم، كأن شيئاً لم يكن ..
حُكم الأغلبية، يصلحُ فقط إذا كانَ هناكَ احترامٌ للحقوقِ الفردية .. فمن غيرِ المعقولِ أن تجمعَ خمسةَ ذئابٍ وخروف، ثم تأخذُ رأيَ الأغلبية عمَّن سيأكلونَ في العشاء .. في السياسة، يسهلُ جدًا أن تُرسمَ خرائطُ المستقبل بألوانِ الطيف، وأن تُفتحَ أبوابُ الجنةِ بوعودٍ براقةٍ لا تلامسُ أرضَ الواقع، لكننا اخترنا مسارًا آخر .. مسارًا يرفضُ التضليل، ويترفعُ عن “بيع” الأوهامِ لمن أرهقتهم خيباتُ الوعودِ السابقة.
إنَّ فلسفتنا في العملِ العام تنطلقُ من براءةِ الذمةِ ومن نظافةِ الماضي؛ فنحنُ لا نملكُ في تاريخنا ما يستدعي “التبرير” أو “التلميع”، نحنُ نؤمنُ بأنَّ المسؤوليةَ ليست “كرسيًّا جلديًّا” نتربعُ عليه لنمارسَ سلطةً جوفاء، بل هي أمانةٌ نضعُها تحت تصرفِكم، لنسيرَ في دروبِ الإصلاحِ جنبًا إلى جنب، لا فوقَ رؤوسكم.
لا نقدسُ الأشخاصَ ولا نعبدُ الأصنامَ السياسية؛ فالمعيارُ الوحيدُ لدينا هو ما نقدمه لوطننا المعذّب من فكرٍ، ومن جهدٍ، ومن ذمةٍ نظيفة، لإنَّ وجعَ الوطن هو وجعنا، والتصدي للفسادِ والارتهان للخارج ليس شعارًا نرفعهُ في المناسبات، بل هو ممارسةٌ يوميةٌ تتطلبُ شجاعةً لا تلتفتُ للخلف .. فالكرسيُّ الذي لا يخدمُ الناسَ هو مجردُ خشبٍ، والسياسةُ التي لا تستجيبُ لنبضِ الشارع، هي مُجرّد كذبة ..
في نهاية المطاف، ربما علينا أن نشكرهم؛ فبدونهم، كانت جدران حياتنا اليومية ستكون كئيبة وخالية من مادة دسمة “نضحك” فيها كُلَّ يوم حتَّى تدمَعَ أعيُنُنا، لكننا بصدق نُفَضِّلُ أن نعيشَ في كآبة صامتة، على أن نضطرَ للضحكِ على وجوههم كل صباح ..
