لا يذلّها احتياج: عن المرأة التي تسكب روحها في عملها

بقلم الياس عيسى الياس

​في 6 أيار 2026، نشرت الكاتبة ميشيل غولدبرغ مقالاً في “نيويورك تايمز” بعنوان “الجزء الثاني من فيلم الشيطان يرتدي برادا جعلني أشتاق لعصر المرأة القائدة” (The ‘Devil Wears Prada’ Sequel Makes Me Miss the Era of the Girlboss).

الحقيقة أن كلام غولدبرغ لمس جرحاً نعيشه اليوم؛ فبعدما كان الطموح المهني والنجاح الشخصي مبعث فخر للمرأة، صارت بعض الأصوات اليوم تحاول إقناعها بأن العمل والتعب هما المصدر الوحيد لتعاستها، وأن “الراحة الحقيقية” تكمن في الانسحاب من الحلم والعودة إلى أنماط الحياة القديمة.

​ترى غولدبرغ أن موجة “الزوجات التقليديات” (Tradwives) التي تجتاح الإنترنت ليست مجرد حنين بريء للماضي، بل هي في جوهرها نوع من الهروب من ضغوط العمل الحديث وتوحش النظام الرأسمالي. والمشكلة هنا ليست في اختيار المرأة لنمط حياة هادئ بحد ذاته فالحرية تعني أولاً حق الاختيار بل في الوعود البراقة التي تربط الراحة بالتبعية المطلقة، وتتجاهل حقيقة أن الاستقلال المادي والمهني يظل، عبر التاريخ، الأمان الحقيقي الوحيد للمرأة. فالتي تملك عملها تملك قرارها، ولا تضطر للصمت أمام خلل أو انكسار لمجرد حاجتها للمال أو تقلبات الظروف.

​إن تراجع مكانة المرأة في دوائر القرار ليس نتاج أزمات مالية فحسب، بل هو نتيجة تغير في عقلية الإدارة التي باتت تميل للقسوة وتهميش الأبعاد الإنسانية في العمل. هنا، يتحول إصرار المرأة على البقاء والإنجاز إلى نوع من الدفاع عن حضورها الحرّ؛ فقرار الاستمرار هو رفض لأن تكون على الهامش، وتمسك بالحق في التأثير في زمن صار فيه الإنتاج سريعاً، آلياً، وبلا روح. هذا الصمود المهني يمثل استعادة لقيمة الوجود الشخصي، حيث يصبح العمل وسيلة لتعريف الذات أمام العالم، لا مجرد وظيفة لجمع الراتب.

​في هذا السياق، تكتسب شخصية ميراندا بريستلي (Miranda Priestly)، التي جسدتها ميريل ستريب ببراعة في فيلم “الشيطان يرتدي برادا” (The Devil Wears Prada)، أبعاداً جديدة. ميراندا اليوم ليست مجرد تلك المديرة المتسلطة، بل هي رمز للإتقان في زمن “الاستسهال”.

ومع صعود الذكاء الاصطناعي الذي يهدد بمحاكاة كل شيء، يبرز التساؤل الجوهري: ما الذي سيبقى لنا كبشر؟ الإجابة هي “الإحساس” والوعي الأخلاقي. الكمبيوتر يمكنه تنفيذ الأوامر بدقة مذهلة، لكنه لا يملك “الذوق”، ولا القدرة على قراءة الروح الإنسانية، ولا تلك اللمسة الخاصة التي تسكبها المرأة في عملها لتجعله فريداً. القيمة اليوم ليست في مجرد أداء المهمة، بل في المعنى والرسالة التي نضفيها عليها.

​يجب ألا نشعر بالذنب لأننا نتعب أو ننجح. التعب في سبيل تحقيق الذات ليس عدواً، بل هو الذي يمنح الحياة ثقلها وقيمتها. صحيح أن لبعض النساء قناعات أخرى في اختيار الهدوء أو الاكتفاء بأدوار تقليدية داخل المنزل، وهو اختيار ينبع من ظروف شخصية تُحترم، لكن الكرامة تظل دائماً مرتبطة بالقدرة على تَمَلُّك زمام المصير في لحظات الشدة.

إن العمل المتقن هو الدرع؛ هو الذي يمنح المرأة سلطة على حاضرها، والراحة التي تأتي مقابل التنازل عن الاستقلال هي راحة هشة ومؤقتة، تجعل مصير الإنسان رهينة لصدفة قد لا تأتي أو مزاج شخص قد يتغير.

​إن ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف “النجاح”؛ فهو ليس مجرد تسلق للسلم الوظيفي، بل هو القدرة على حماية مساحتنا الخاصة من التهميش. إن التمسك بالوظيفة في ظل هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية هو فعل مقاومة، يضمن للمرأة ألا تذوب هويتها في هوية الآخرين.

الخبرة المتراكمة عبر سنوات الكفاح هي “العملة الصعبة” التي لا تخضع لتقلبات السوق، وهي الضمانة بأن صوت المرأة سيظل مسموعاً، ليس كعنصر مكمل، بل كشريك أساسي في صياغة المستقبل.

​ يذكرنا مقال غولدبرغ بأن التميز مكلف، والاستحقاق يتطلب جهداً عظيماً، لكن هذا الثمن يظل زهيداً أمام مرارة العجز.

التحدي الحقيقي اليوم هو أن تثبتي أن وجودكِ ضروري رغم كل دعوات الانسحاب. ففي عالم يتغير بسرعة البرق، تظل الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن المرأة التي تعتمد على كدّ يمينها تظل مرفوعة الرأس، والتي تضع روحها وإخلاصها فيما تفعله، لا تذلها حاجة ولا يطويها نسيان، لأن بصمتها محفورة في أصل الأشياء لا في قشورها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top