
بقلم ريتا السهوي
في لبنان، لم تعد الأخبار تُشبه الأخبار…
بل أصبحت تشبه رسائل مبطنة، وتهديدات ناعمة، وتسويات تُكتب في الغرف المغلقة قبل أن تظهر على الشاشات.
نستيقظ كل يوم على تصريح جديد: مفاوضات، ضغوط دولية، حديث عن سلام، عن إعادة إعمار، عن إصلاحات اقتصادية، وعن اجتماعات تُعقد بين كبار العالم وكأن مصير الشعوب يُدار كصفقة سياسية لا أكثر.
لكن خلف كل هذا الضجيج، هناك شعب متعب جداً.
شعب لم يخرج بعد من صدمة المصارف، ولا من وجع الحرب، ولا من الإذلال اليومي الذي يعيشه منذ سنوات.
في لبنان اليوم، لا أحد يفهم الحقيقة كاملة. كل شيء يبدو غامضاً… وكأن هناك “طبخة” كبيرة تُحضّر للمنطقة كلها، ولبنان جزء صغير داخلها.
ما يحصل ليس مجرد أزمة اقتصادية، وليس مجرد توتر أمني، بل حالة طويلة من الضغط النفسي والسياسي والمعيشي على بلد كامل.
يقولون للبنان: إما أن تقبلوا بالشروط… أو سيبقى الانهيار.
ويقولون للناس: اصبروا قليلاً… بينما أعمارهم تُستهلك في الانتظار.
أما المصارف؟ فما زالت جرحاً مفتوحاً في قلب اللبنانيين.
هناك مودعون لم يسترجعوا تعب عمرهم، وهناك عائلات تعيش على الخوف من الغد، وهناك اقتصاد يشبه مريضاً وُضع على أجهزة التنفس منذ سنوات، لكنه لم يتعافَ فعلاً.
كل ما يحدث اليوم يوحي بأن لبنان يعيش “استقراراً مؤقتاً” فقط. هدوء يشبه الصمت الذي يسبق شيئاً أكبر.
الأخطر من الحرب أحياناً… هو الشعور بأن وطنك لم يعد يملك قراره بالكامل.
أن تصبح كل خطوة مرتبطة بالخارج: الدولار، المساعدات، الحدود، الطاقة، المصارف، حتى الأمن.
وفي وسط كل هذا، يُطلب من اللبناني أن يبقى قوياً.
أن يبتسم، أن يعمل، أن يتحمل، أن يتأقلم، وكأن الإنسان خُلق فقط ليعتاد الوجع.
أنا لا أرفض السلام، ولا أرفض الحوار، ولا أرفض أن يعيش الناس بأمان.
لكنني أرفض أن يتحوّل السلام إلى ضغط، وأن تتحوّل الكرامة إلى شرط تفاوض.
فالسلام الحقيقي لا يُفرض تحت النار، ولا يولد من الخوف، ولا يأتي بينما الناس ما زالت تسمع صوت الطائرات فوق رؤوسها.
لبنان لا يحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية… بل يحتاج إلى صدق.
يحتاج إلى من ينظر إلى هذا الشعب كأناس لديهم أحلام وكرامة، لا كأرقام في ملفات دولية.
ورغم كل شيء… ورغم التعب، والخذلان، والانهيار، ما زلت أؤمن أن لبنان يشبه أبناءه الحقيقيين: يتعبون كثيراً… لكنهم لا يسقطون بسهولة.
