
في حضرة الغياب: وليد البخاري سفيراً للمعنى حين عزّ المعنى
بقلم نزار شاكر- ديمقراطيا نيوز
لم يكن قدوم سعادة السفير وليد بن عبدالله البخاري إلى بيروت في آذار 2018 قدومَ سفيرٍ إلى دولة، بل قدوم شاهدٍ إلى محرقة، كانت مهمتهُ ألا يفتح صفحة، بل أن يمنع طيّ الكتاب كله.
جاء والعلاقة بين مملكة الخير ولبنان تُشبه مريضاً على سرير الإنعاش، والأطباء في الرياض يهمسون: “أوقفوا الأجهزة”، فاختار أن يكون هو الجهاز الأخير: جهاز النبض.
أولاً: حين صار الرغيف رسالة
في الرابع من آب 2020، ماتت بيروت، ومات معها الكلام، في تلك اللحظة التي صمت فيها العالم، كان صوته هو الطحين، ودواؤه هو المستشفى الميداني.
مأثرته الكبرى أنه انتزع للإنسان حقّه في الحياة، من بين أنياب السياسة، فآثر الفصل بين جوع البطون وجوع الضمائر، قال بلسان الفعل لا القول: “خلافنا مع من سرق دولتكم، لا مع من بقي منكم حيّاً”، وبهذا، حفظ للمملكة معنىً أخلاقياً في زمن انهيار المعاني، وهذا هو النصر حين تُهزم الجيوش.
ثانياً: وصيٌّ على اليُتم السني
حين اعتزلت الزعامة السنية معتركها عام 2022، أصبح الشارع يتيماً، وكان المتوقع أن يأتي الوصيّ ببديل، أن يشتري وريثاً، أن يملأ الفراغ صخباً.
لكنه فعل ما لا يفعله الأوصياء: صان اليُتم من المهانة، لم يتاجر بالفراغ، بل قدّسه، ردّ الناس إلى محرابهم الأول: دار الفتوى، لم يصنع زعيماً، بل منع بيع الميراث في سوق النخاسة السياسية. وفي زمن بيع كل شيء، أن تحرس اليتيم من البيع هي أعلى مراتب الفروسية.
ثالثاً: فقه الصمت في زمن الضجيج
في لبنان، لك أن تكون مع السلاح أو ضده، لا منطقة رمادية، البخاري ابتدع فقهاً ثالثاً: “فقه الصمت العامل”، لم يهادن السلاح، ولم يستفزه، وضع شرطاً واحداً، نحته في صخر المواقف: “السيادة قبل الريال”.
بصمته هذا، أنقذ بلاده من ذنبَين: ذنب المموِّل الأعمى الذي أفقر شعبه، وذنب المنسحب الجبان الذي سلّم الساحة، بقي واقفاً على التل، لا هو من الغزاة، ولا هو من الهاربين، كان شاهداً، والشاهد في محكمة التاريخ، أحياناً، أهم من القاضي.
رابعاً: من سفارة الجدران إلى سفارة الإنسان
قبل البخاري، كانت سفارة المملكة قصراً منيفاً في اليرزة، في عهده، صارت وجهاً، وجهاً يمشي في طرابلس، يواسي في الجميزة، يغرّد بوجع الناس: “فرّج الله عن لبنان”، ولن أنسى عبارته لي ولغيري لُبنانُ أرضُ الحِجى هل للحِجى أَجَلٌ!
أدرك أن الدبلوماسية حين تفلس، لا يبقى لها إلا رصيد الوجه، فأودع وجهه بنكاً للثقة، وحين تنهار العملات، يصبح وجه الرجل الصادق هو العملة الوحيدة التي لا تزور.
خاتمة: ماذا يخطّ التاريخ؟
إن التاريخ لا يوزن بعدد القصور التي بناها السفراء، بل بعدد الجسور التي منعوا هدمها.
وليد البخاري لم يُرجع لبنان إلى الحضن السعودي، لكنه منع لبنان من السقوط في حضن اليأس الكامل، لم يكن تاجر نفوذ، بل حارس معنى.
مآثره لا تُحصى، بل تُستشعر:
- أنه أبقى للرحمة صوتاً، حين بُحّ صوت السياسة.
- أنه حرس الكرامة، حين صارت الكرامات سلعة.
- أنه ترك الباب موارباً، في بيتٍ أراد الجميع إغلاقه.
جاء في زمن السقوط، فلم يمنع السقوط، لكنه كان اليد التي أمسكت بنا ونحن نسقط، وقالت: “لم تنتهِ الحكاية بعد”.
وحين يكتب لبنان يوماً قيامته، سيجد في الهامش اسماً: “كان هنا رجل اسمه وليد البخاري، لم ينقذنا، لكنه رفض أن يشهد على موتنا”.
هذا منحى “المرثية الرصينة”، لغة عالية، صور مركزة، وفكرة واحدة: الشرف في زمن الانحطاط.
