بقلم جوزاف وهبة
 
فيما مضى من التاريخ اللبناني الحديث، وصولاً إلى زمن القائد الشهيد كمال جنبلاط، كان الكلام الذي يصدر عن المختارة إنّما ينظر إليه اللبنانيّون (خصوماً ورفاقاً) على أنّه “البوصلة السياسيّة” لما يمكن أن تهبّ من رياح على البلد، بمعنى ما يمكن أن يحدث من تحوّلات في ميزان القوى الخارجي(فالداخلي). وهكذا استمرّت الحال مع وليد جنبلاط حيث يقرأ الجميع في كتابه، إستشرافاً لما يمكن أن يحدث. وليس أشدّ على ذلك من تأكيد، ما قاله عشيّة عودة الجنرال ميشال عون إلى لبنان، بأنّ “ثمّة تسونامي عوني سوف يجرف الرأي العام”. وبالفعل تحوّلت نتائج الإستحقاق الإنتخابي آنذاك إلى “تسونامي أصوات” منح الجنرال البرتقالي العرش المسيحي دون منازع، بالرغم ممّا ارتكبته يداه من أذى معنوي لبكركي، وأذى جسدي للبطريرك الراحل صفير!
فهل لا يزال كلام “البيك” كذلك؟
في حديثه الأخير إلى “فرانس 24” عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، وعن التطوّرات في الجنوب وانعكاساتها على الوحدة الوطنية، بدا وليد جنبلاط أقرب إلى “ذئب هرِم” يحتفظ بسلسلة مواقفه القديمة الجديدة ، والتي لم تعد تراعي الواقع، من هدنة 49 إلى الحوار الداخلي إلى مقاربة سلاح المقاومة الإسلاميّة بالتي هي أحسن، كما يُقال.. وهنا، لا بدّ من التساؤل:عن أيّ حوار يتكلّم جنبلاط، وهل من فرصة بعد لهذا الحوار بأن يأتي بالنتائج المرجوّة؟
بادئ ذي بدء، وعلى لسان عضو المجلس السياسي لـلحزب، بلال اللقيس، جاءت الطعنة الأولى لهذا الحوار المفترض، حيث اعتبر في تغريدة له أنّ “كلّ ما يُشاع ويُناقش حول هدن على الجبهة اللبنانيةليس سوى مناورة إسرائيلية أميركية مكشوفة تهدف بالدرجة الأولىإلى فصل الجبهات وتفريق قوى المقاومة”.
ويمضي اللقيس في طرحه الاستراتيجي محذّراً من “مخطّطاتأوسع تستهدف الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران”، لينتهي إلىخلاصة تدعو إلى “تمتين الساحات ووحدتها بل وزيادتها” كوسيلةوحيدة للمواجهة. اللقيس (ممثّلاً الموقف الرسمي لحزب الله) يعود بنا إلى “مربّع قاسم سليماني الأوّل” أي وحدة الساحات: فمن أين يمكن للحوار أن يمرّ، طالما أنّ الدفاع عن إيران هو الأولويّة، وأنّ الهدنة التي تفتّش عنها الدولة اللبنانيّة هي “مجرّد مناورة..” تهدف إلى تفريق قوى المقاومة، وليس حماية الجنوب وأهله، لبنان وأرضه؟
يبحث وليد جنبلاط عن “حوار” يرفضه سلفاً أحد طرفيه، فهل يمكن له أن يقوم، أم هو مجرّد هدر وقت لن تكون نتائجه سوى المزيد من الدمار والخراب والموت؟ كما يبحث عن “هدنة 1949” متغافلاً كلّ التحوّلات الجذريّة في المواقف العربيّة من قضيّة فلسطين، ومن العداء للكيان الإسرائيلي، وكأنّ الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لا يزال يخطب في جماهير النكسة من على الشاشة باللونين الأبيض والأسود، ليس إلّا!
السلاح لم يعد سلاح مقاومة، وهذا ما تقوله مقرّرات الدولة اللبنانيّة، أكان في بيانها الوزاري، أو في سلسلة المقرّرات التي اتّخذتها حكومة الرئيس نوّاف سلام. السلاح بات غير شرعي، وإن كان لا يزال يصول ويجول جنوباً وفي الضاحية وباقي مناطق النفوذ. الدولة اللبنانيّة التي كسرت “تابو” المفاوضات المباشر مع العدوّ (وهي أصلاً لا تجري إلّا مع العدوّ)، لا يمكن لها أن تعود إلى الوراء. العودة إلى الوراء أشدّ كلفةً على البلد من المتابعة والإقدام. حزب الله مصرّ على خياراته، والصدام السياسي معه ضرورة وطنيّة كي نحمي ما تبقّى من هيكل البلد والدولة. المواقف الرماديّة تكاد تكون شريكة له في “خراب البصرة”. ماذا ينفع الحوار مع مَن سبق له أن قال “سنقاتل حتّى آخر نفَس”، متجاهلاً مصالح وبيوت وأرواح حاضنته الطبيعيّة (فدى القائد الأكبر، وفدى المهدي المنتظر..)… أليس هذا ما نطق به الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، رغم آلاف الضحايا والشهداء السعداء والمساكن المهدّمة فوق رؤوس الأطفال والنساء وكبار السنّ؟
كلام وليد جنبلاط لم يعد (IN) بمعنى أنّه بات خارج المكان والزمان.لم يعد بوصلة، ولم يعد كافياً للحرص على البلد. مَن يحرص على البلد، لا بدّ أن يصطفّ بقوّة إلى جانب توجّهات الدولة اللبنانيّة، إلى جانب صرخة الرئيس سلام “كفانا مغامرات عبثيّة..بعد كلّ الدمار والنزوح والمآسي يطلع علينا مَن يحاول أن يستخفّ بعقولنا ويسمّي ذلك إنتصارات..”. إلى جانب الدعوة الصريحة لتسليم السلاح بلا حوار ولا مناكفات.. مَن يحرص على البلد (وجنبلاط حريص بالتأكيد) يدعو “صديقه” الرئيس نبيه برّي إلى نسيان “6 شباط” و”7 أيّار” وكلّ تواريخ الماضي “المجيد”، والإلتحاق بمعادلات الشرق الأوسط الجديد، علّه بذلك ينجو، وينجو البلد، وننجو معاً جميعاً!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top