بين أعباء الحرب وشلل البيروقراطية: شرح لأزمات بلدية بيروت

بقلم ياسمين شعبان

تقاطعت شهادات عضوي مجلس بلدية بيروت، الدكتور محمد بالوظا والأستاذة رشا فتوح، عند حقيقة واضحة: عاصمة القرار السياسي تواجه اليوم واحدة من أعقد فتراتها الإدارية والخدماتية. فبينما فرضت الحرب ملف النزوح كأولوية ضاغطة استنزفت قدرات البلدية المتاحة، كشف العام الأول من عمر المجلس الجديد عن عمق الأزمة البيروقراطية الداخلية والشغور الوظيفي الذي يتجاوز نصف ملاكها الإداري. وفي حديثهما الشامل لموقع “ديموقراطيا نيوز”، قدم العضوان جردة حساب صريحة توازن بين الإحباط من آليات العمل القديمة، والتفاؤل بانتزاع حلول قانونية ومستدامة لخدمة العاصمة وأهلها خلال السنوات المقبلة.

بالوظا: بيروت تواجه أزمة النزوح وتداخل الصلاحيات

في قراءة موضوعية لواقع العاصمة بيروت خلال العام المنصرم، وصف عضو المجلس البلدي الدكتور محمد بالوظا هذه الفترة بأنها كانت مرحلة استثنائية ومليئة بالتحديات الصعبة. وأوضح بالوظا لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن السنة الأولى شكلت فرصة لتعارف الأعضاء القادمين من خلفيات وتوجهات متنوعة، فضلاً عن كونها مرحلة انتقالية للتعرف على آليات العمل في القطاع العام، نظراً لأن أغلبية الأعضاء ينتمون خلفياً إلى القطاع الخاص. وإلى جانب هذه التحديات الإدارية، واجه المجلس ظروفاً قاهرة فرضتها الحرب، مما رتب على عاتق البلدية عبئاً إضافياً كبيراً تمثل في احتضان واستقبال أهلنا النازحين من مختلف المناطق.

وأشار بالوظا إلى أن البلدية سارعت إلى تأسيس غرفة طوارئ متخصصة لمتابعة شؤون الوافدين وتأمين مراكز إيوائهم، وتوفير المساعدات والمستلزمات الأساسية لهم بالتعاون الوثيق مع المجتمعين المحلي والدولي. وتعمل البلدية بموجب هذه الآلية على تأمين المياه، وتنسيق تأمين مادة المازوت عبر الهيئة العليا للإغاثة، إلى جانب التواصل المستمر مع وزارتي التربية والشؤون الاجتماعية. وأكّد أن دور البلدية يتركز في كونها وسيطاً مسهلاً بين جميع الأطراف المعنية، مع الحفاظ على تنسيق دائم مع القوى الأمنية ومخابرات الجيش اللبناني للتعامل مع أي إشكال أو حدث أمني قد يطرأ في هذا السياق.

وفيما يخص تواجد النازحين في بعض النقاط الحساسة مثل الواجهة البحرية للعاصمة، أكد بالوظا أن البلدية تجد نفسها مضطرة لإدارة هذه الأزمة الإنسانية بالموارد المتاحة، مشدداً على أن قرار نقلهم أو إزالتهم ليس من صلاحية البلدية ولا تقع مسؤوليته عليها، بل هو قرار مركزي يعود للحكومة، والبلدية ملتزمة بتنفيذه فور صدوره. وفي هذا الإطار، أوضح بالوظا أنه تم نقل النازحين المتواجدين على الواجهة البحرية من أرض خاصة تابعة لشركة “سوليدير” إلى أرض أخرى تابعة للبلدية؛ وهي خطوة تساهم في ضبط الوضع وتسهيل عمل البلدية لوجستياً، مؤكداً أن هذا الإجراء لا يعتبر بأي شكل من الأشكال عملية استيطان جديدة، بل هو مجرد عملية نقل وتنظيم من الملك الخاص إلى الملك العام إلى حين حلحلة الأوضاع الأمنية وعودتهم إلى مناطقهم. وأضاف أن البلدية تتعامل مع الوافدين كأهل وضيوف، وتطمح جاهدة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود لهم كلما توفرت الإمكانيات، داعياً في الوقت نفسه إلى ضرورة تعاون النازحين مع السلطات المحلية لتخفيف الأعباء المشتركة، ولا سيما بعد المبادرة لفتح مواقف السيارات التابعة للبلدية مجاناً لاستيعاب الاكتظاظ الشديد، وهو الأمر الذي واجه تحديات تنظيمة بسبب رغبة البعض في إبقاء آلياتهم بالقرب من أماكن تواجدهم، مما يستدعي تدخلاً مستمراً من قوى الأمن الداخلي وشرطة السير لتنظيم الحركة.

وعلى الصعيد التنموي والخدماتي، أعلن بالوظا عن قرب انطلاق ورشة عمل داخل العاصمة تشمل مشاريع تزفيت الطرقات، وتشحيل الأشجار، وصيانة البنى التحتية، وذلك بهدف تهيئة المدينة واستعداداً لاستقبال المغتربين والأجانب. كما كشف عن التحضير لمشروع جديد يتعلق بلم النفايات وفرزها، نظراً لقرب انتهاء العقد الحالي مع شركة “أرامكو” بحلول نهاية العام الجاري. وختم بالوظا حديثه بنبرة واقعية مشوبة بالعقبات، مؤكداً أن المجلس البلدي سيقوم بكل ما في وسعه لخدمة العاصمة، مستدركاً بأن تحقيق فرق جذري وشامل يصطدم دائماً بمعضلة تداخل الصلاحيات الإدارية، إلى جانب الخصوصية السياسية لبيروت باعتبارها عاصمة القرار وبؤرة للتوازنات الحزبية والطائفية المعقدة.

فتوح: الخلافات السياسية تذوب في المجلس والخلل يكمن في الجسم الاداري

بعد مرور عام على تولي المجلس البلدي الجديد لمهامه في العاصمة، وضعت عضو بلدية بيروت رشا فتوح الإصبع على الجرح في تقييمها لمسار العمل الإداري والخدماتي. ولم تخفِ فتوح شعور الإحباط الذي انتابها في البداية نظراً لصغر سنها مقارنة بحجم العقبات، مشيرة إلى أنها فضلت الصمت في المراحل الأولى لكنها قررت اليوم مواجهة الحقائق بشكل علني. وأوضحت أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في أعضاء المجلس أو إرادتهم، بل في بنية البلدية نفسها التي تعاني من خلل إداري وتراكمات سابقة صعبة التصور، ناتجة عن هيمنة بعض الموظفين الفاسدين وتراجع إنتاجية الإدارة.

وعلى الرغم من الظروف القاهرة التي مرت بها بيروت، ولا سيما التداعيات الأمنية والحرب التي فرضت نفسها بعد انتهاء الهدنة المؤقتة، أكدت فتوح لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن الأداء خلال السنة الأولى لم يكن ملبياً للطموحات وكان بالإمكان تقديم الأفضل. ومع ذلك، تبدي فتوح تفاؤلاً كبيراً بالسنوات الخمس المتبقية من عمر المجلس، مشددة على وجود حالة من التجانس والتوافق بين الأعضاء تذوب معها الاختلافات السياسية والمناطقية، حيث يعمل الجميع بتنسيق عالي لخدمة العاصمة كمدينة واحدة دون تمييز أو محاولة لتعطيل المشاريع.

وفي تشخيصها للأزمات الداخلية، كشفت فتوح عن معضلة حقيقية تتمثل في تجاوز نسبة الشغور الوظيفي حاجز الخمسين بالمئة، وهو الملف الذي يستنزف جهود زملائها في المجلس كالدكتور بالوظا والدكتور شاتيلا. هذا النقص الحاد يدفع موظفين قلائل لتحمل أعباء عدة أقسام، مما يعرقل المعاملات نتيجة الضغوطات، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة في مصلحة الهندسة الحيوية جراء الإحالات القريبة على التقاعد، مما يستدعي تعاوناً سريعاً مع مجلس الخدمة المدنية لتجاوز الإجراءات البيروقراطية الطويلة والبدء بالتعيينات. كما انتقدت فتوح غياب التعاون والتصرفات الكيدية الطائفية من بعض الموظفين تجاه بعض الأعضاء، مستشهدة بعجزها كرئيسة للجنة التنمية الاقتصادية عن الحصول على مسح واضح أو مستندات تخص عقارات وأراضي ومواقف البلدية.

وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية، أقرت فتوح بغياب خطة عمل عامة وواضحة حتى الآن، وهو أمر يبعث على خيبة الأمل، إلا أن كل عضو يسعى بشكل فردي لتقديم مشروعه ليكون لبنة للمستقبل. وأشارت إلى أن المجلس ركز في جلسته الأخيرة على تأمين الحد الأدنى من الخدمات الحيوية، موجهة اللوم في تأخير التنفيذ إلى الالتزام التام بالإجراءات القانونية ودراسة دفاتر الشروط لحماية المال العام، مشددة على أن بناء أسس متينة لعمل مستدام أخذ ذلك الوقت ولكنه أفضل من العمل دون أفق وخطة واضحة. وتوقعت فتوح انطلاق ورشة خدماتية قريباً تشمل تزفيت الطرقات وإصلاح البنى التحتية بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار، وذلك بعد استكمال المناقصات الخاصة بقطاع المياه، وبنزين الآليات البلدية، وتشغيل وصيانة المساحات الخضراء.

وفي ختام قراءتها لواقع العاصمة، عبرت فتوح عن امتنانها لعمل المحافظ مروان عبود، واصفة المدينة بالمحظوظة لوجوده نظراً لاندفاعه وحبه لبيروت، وهو ما تجسد ميدانياً بحضوره الفوري إلى البلدية فور تعرض المدينة للقصف. واستغربت فتوح الشائعات التي تتهمه بالعرقلة، مؤكدة أن علاقته بالمجلس تتميز بالود والتعاون المطلق، وأنه يبذل قصارى جهده لتنفيذ القرارات ودفع العمل البلدي نحو الأمام كلما تعلقت المسألة بمصلحة العاصمة وأهلها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top